الجمعة 07 صفر / 25 سبتمبر 2020
03:55 ص بتوقيت الدوحة

الربيع الأميركي: اختلال العقل الأخلاقي العام

الربيع الأميركي: اختلال العقل الأخلاقي العام
الربيع الأميركي: اختلال العقل الأخلاقي العام
إن من أسباب سقوط الإمبراطوريات العظمى، ما أسمّيه اختلال العقل الأخلاقي العام، وهي فرضية لا تخرج عن نطاق الحتميات التاريخية التي هيمنت على بعض فلاسفة التاريخ، وتستند إلى منطقين أخلاقيين: الأول هو الحتمية الهيجيلية التي تعتبر أن التاريخ محكوم بصيرورة البحث عن الاكتمال، فالروح أو العقل المطلق في طريقه إلى الحرية (الاكتمال) كوعي بالذات؛ حيث يتجلّى روح العالم الجديد بتجلّي عصر الحرية. إن حتمية هيجل الأخلاقية تجعلنا نطرح سؤالاً حيوياً: هل اكتمال عصر الحرية بمثابة إعلان عن بداية نهاية الإمبريالية الأميركية؟ أي أن أميركا كتجسيد نهائي لفكرة الروح المطلق (الحرية)، التي لا يمكن بعدها أن يحدث تطوّر أبعد -على حدّ تعبير برتراند راسل- وهي الحتمية نفسها التي تبنّاها فوكوياما وهانتنجتن، سيراً على خطى هيجل.
ولعلّ الهيمنة الإمبريالية القائمة على فرض قيم الحرية، واعتبارها النموذج الأرقى للقيم الكونية (العولمة/ الأمركة)، قد يكون سبباً في انهيار هذه القيم، باعتبار أن المشروع الأخلاقي المحدّد لمرجعية الهيمنة التي تبشّر بها أميركا الإنسانية قاطبة، يعرف اليوم ارتكاسة حضارية، هزّت صورة أميركا ونموذجها كونياً. قد يجد مشروع الهيمنة الإمبريالية الأميركي مبرّرات أخلاقية للعربدة الدولية، وانتهاك سيادة الدول والحروب المجانية، وقضايا المناخ، وازدواجية المعايير في التعامل مع القانون الدولي والقيم الإنسانية (القضية الفلسطينية/ غوانتنامو/ أبو غريب...)؛ لكن لا تستطيع أن تجد مبرّرات أخلاقية للانتهاكات التي تطال المواطنين الأميركيين داخل حدود الدولة.
إن النزوعات اللاأخلاقية للسياسات الخارجية الأميركية ليست سبباً كافياً في اعتقادنا لانهيار الإمبريالية الأميركية كما ذهب إلى ذلك يوهان غالتونغ، الذي تنبّأ بسقوط الإمبراطورية الأميركية في عام 2020 للأسباب ذاتها، ولو أقمنا فرضية الفصل ما بين أميركا الإمبراطورية (الغطرسة الدولية) وأميركا الدولة (الشمولية المعكوسة). إن انهيار النموذج القيمي الأميركي خارجياً من خلال السياسات العدائية للشعوب والمنتهكة للقيم الإنسانية، والاختلال الأخلاقي العام الذي يطال النسق الاجتماعي الأميركي، بتنامي العنصرية والتفاوتات الاجتماعية، واختلال ميزان العدالة الاجتماعية بالإجهاز على ما تبقّى من دولة الرفاه (التوجّه النيوليبرالي)؛ كل ذلك قد يكون مُسرِّعاً لعملية السقوط، ولا يمكن اعتبارها أسباباً أخلاقية عميقة، إذا ما انفتحنا على فرضية ثانية تختزلها حتميات ابن خلدون وتلميذه أرنولد توينبي، قائمة على مبدأ حضاري: "الحضارة تحمل في طياتها أسباب موتها وفنائها، أي أن أهم عوامل انهيار الحضارة هو انهيار قيمها الأخلاقية والدينية". إن هذه الفرضية لا تحدّد العقل الأخلاقي العام في انهيار نموذج القيم الأميركية (قيم الحرية والديمقراطية)، بل تجعل المحدّد الأخلاقي/ الروحي أكثر تعبيراً عن حالة الانحطاط الحضاري. لقد رسم توينبي صورة انهيار الحضارات على قاعدة "التحدي والاستجابة"، أي وقوع "شرخ في الروح"، وهو ما يعني عجز النموذج الأخلاقي الأميركي على مجابهة التحديات الحضارية التي سيفرزها الحراك الاجتماعي في أميركا، والتي أثبتت جائحة "كورونا" لاإنسانيتها وانحطاط قيمها حضارياً. الأمر نفسه يؤكده ميشيل أونفري حينما وصف ملامح السقوط الحضاري بالعدمية الأخلاقية.
إن التعبير الأعمق عن اختلال العقل الأخلاقي العام، هو الذي وصفه ابن خلدون من خلال مقاربته الدينامية المتعددة الأبعاد؛ التي بيّن فيها صعوبة الفصل ما بين العوامل الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية، والسياسية والتاريخية والديموغرافية، كأسباب تؤدّي إلى نهضة المجتمعات وسقوطها.
إن الحتمية الخلدونية تعطينا فهماً أعمق لنهاية الحضارات، باعتبارها نهاية أيديولوجيا في كُلّيتها وصلت إلى لحظة فنائها، فالتفسير الممكن أخلاقياً لبداية نهاية أميركا هو إفلاس مشروع الهيمنة أخلاقياً بفقدان جاذبيته ومصداقيته عالمياً ووطنياً. فلم يَعُد مُمكناً بعد اليوم أن تتحجّج أميركا بحقوق الإنسان والحرية لفرض هيمنتها العسكرية والاقتصادية على أيّ كان، ولم يَعُد مُمكناً أن تُقنِع أي مواطن أميركي بأخلاقية الفعل السياسي ومصداقية ساسته في ابتكار أي حلّ لمعضلة الإنسان الأميركي الأساسية (العدالة الاجتماعية).
إذا كان التاريخ يشهد بأن تاريخ الثورات هو تاريخ مجاعات، فإن العالم ما بعد جائحة "كورونا" والكساد العظيم الذي تبشّرنا به العقائد الشمولية، سيشهد طوفاناً من الحركات الاجتماعية في كل أنحاء العالم، تُعلن عن نهاية مأساوية لإمبراطورية "عظمى"، راهنت على تبعية حضارية قائمة على تجويع الشعوب وإذلالها، من خلال مفهوم شيطاني استغلته أميركا في مشروعها الإمبريالي (مفهوم الدولة الرخوة/ أو الدولة الفاشلة)، لتصنع أنظمة شمولية تمتثل لإملاءاتها، وتنفّذ مشروع الهيمنة الاقتصادية بعقيدة الصدمة في كل أنحاء العالم .
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.