الجمعة 07 صفر / 25 سبتمبر 2020
02:04 ص بتوقيت الدوحة

عندما تنظر أميركا في المرآة

عندما تنظر أميركا في المرآة
عندما تنظر أميركا في المرآة
من منّا لا يعرف قصة سندريلا والأقزام السبعة، كلّنا تربّينا عليها، وتعاطفنا مع السندريلا التي كان عليها أن تتقبّل قهر وظلم زوجة أبيها وبناتها المتعجرفات، حتى تأخذنا القصة للنهاية الجميلة حين تلتقي السندريلا بالأمير، فيقع في غرامها ويتزوّجها، لتعوّض بهذه النهاية السعيدة تعاسات كل الأزمنة الماضية.
السود الأميركيون هم السندريلا المضطهدة منذ سنوات، بعد أن نجحت في الزواج من أميرها المحبوب واسمه «الحلم الأميركي»، وعاشت معه لمدة طويلة تظنّ أنها سعيدة ومرتاحة البال، غير أنها استفاقت الأسبوع الماضي على صورة المواطن الفقير الكادح جورج فلويد (46 عاماً) وعلى صوته الواهن المتداعي حينما أراد الهواء ليتنفّس قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة!
استفاق السود في أميركا ومعهم بقية الأميركيين، فيما عدا مجموعة من البيض المتعصّبين يمثّلون القاعدة الانتخابية للرئيس ترمب في انتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر المقبل، وهم يعانون من وطأة أزمة اقتصادية خانقة بسبب وباء «كورونا» الذي أدّى إلى تعطّل غالبيتهم عن العمل.
وبدت تلك الصورة المرعبة كابوساً يواجه «زعيمة العالم الحرّ»، وقد يبدو أمراً ساذجاً القول إن التفاعلات المثيرة التي تتمثّل في أعمال عنف واحتجاجات تحدث هذه الأيام، بدأت مع تولّي ترمب الرئاسة؛ لأن الحقيقة أن تلك التفاعلات الاقتصادية والثقافية تموج في أحشاء المجتمع الأميركي منذ عقود بعيدة، لكنها كانت بمثابة «بركان خامد» مطمور تحت ركام الازدهار الاقتصادي.
ترمب هو قمة جبل الجليد الذي طفا على سطح المجتمع الأميركي منذ عام 2016. ولعلّ نظرة متأنّية لتاريخ «العنصرية الثقافية» في المجتمع الأميركي يمكن أن توفّر لنا قدراً من رؤية أو حتى مجرّد تخيّل لهذا الحجم الهائل من المشاعر العنصرية المتغلغلة في هذا المجتمع منذ عشرات السنين.
الولايات المتحدة الأميركية قامت أساساً على هجرات مكثّفة من البيض الأوروبيين البروتستانت، خصوصاً من أيرلندا فترة المجاعة الكبرى في القرن السابع عشر، وأصبح البيض يمثّلون الأغلبية بعد أن توسّعت الهجرات نحو الغرب الأميركي، وتمت إبادة سكان البلاد الأصليين .
ثم توالت عمليات جلب العبيد من القارة الإفريقية بالأساس ومن بعض جُزر الكاريبي؛ لخدمة البيض والعمل في مزارعهم، وظلّ الحال لمدة قرنين ونيّف من الزمان حتى حدثت الحرب الأهلية الأميركية (1861 - 1865)، ليتمكّن بعدها السود من وضع حدّ مؤقّت للعنصرية التي يتعرّضون لها، واستلزم الأمر قرناً جديداً حتى يظهر مارتن لوثر كينج في ستينيات القرن العشرين ليقود حركة الحقوق المدنية وينتزع حقوقاً جديدة للسود.
هذا المجتمع الذي قدّم نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أنه أفضل ما وصلت إليه البشرية في التعايش المشترك، خصوصاً بعد انهيار الشيوعية أواخر ثمانينيات القرن العشرين، شعر بهزّة شديدة عقب فوز باراك أوباما، وهو أول زنجي يصل إلى سُدّة الرئاسة، بل ويتم التجديد له في المنصب لفترة رئاسية جديدة. الكتلة الصلبة من البروتستانت ذوي البشرة البيضاء في المجتمع الأميركي بدا أنها لم تشعر بالارتياح إزاء انتخاب أوباما، لكنها لم يكن بمقدورها فعل شيء تجاهه. تغذّى هذا القلق والتوتّر في أوساط البيض الأميركيين بعد ظهور دراسات تؤكد أن غالبية الأميركيين عام 2050 سيكونون من «الملوّنين»، ويتحوّل البروتستانت البيض في أميركا إلى أقلية!
ظهر نوع من «الفزع الثقافي العنصري» جرّاء الخشية من ذوبان هوية استمرت 4 قرون عبر تحوّل الأغلبية البروتستانتية البيضاء في الدولة التي تمتلك أقوى قوة عسكرية على وجه الأرض إلى أقلية دينية وعرقية في مجتمع غالبيته من الملوّنين!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا