الأربعاء 05 صفر / 23 سبتمبر 2020
03:54 ص بتوقيت الدوحة

ماذا يعني «السلام الشامل»؟

ماذا يعني «السلام الشامل»؟
ماذا يعني «السلام الشامل»؟
درج الوفد الحكومي -الذي يفاوض ممثلي الحركات المسلحة في جوبا حول تحقيق السلام في السودان- على أن يخاطبنا ببيان مطوّل، مؤكداً إحرازه تقدماً على طريق «السلام الشامل» الذي يتطلع إليه السودان، دون أن يتكرم علينا ذلك الوفد بشرح مفهوم «السلام الشامل» كما يراه المفاوضون، وكيف يكون السلام شاملاً ما لم تشارك فيه كل الحركات الحاملة للسلاح، وكيف يكون شاملاً إن استثنى أي قضية خلافية من أجندة الحوار.
الأصل في «السلام الشامل» أن يأتي نتيجة اتفاق تصل إليه كل قوة تمردت على سلطة وخرجت على طاعتها، لأنها اقتنعت بأن تلك الدولة لا تمثلها ولا تلبي طموحاتها، ومن ثم فهي تسعى بقوة السلاح -أو بالضغط السياسي- إلى إحداث تغيير جذري في منهج الحكم وأسلوبه ومحتواه، ومن ثم فإن أي حوار يجب أن يشارك فيه كل من خرج على سلطة الدولة، ولا يبقي أي طرف خارج طاولة المفاوضات، هذا هو الشرط الأول لنجاح محادثات السلام، وقد يستغرق تحقيقه زمناً طويلاً، ولا بأس في ذلك، لأن مشاركة الجميع حتى لو احتاج إقناعهم لشهور وشهور هو شرط وجوب لا سبيل لتفاديه، وقد نبّهنا الوفد الحكومي المفاوض يوم أن اندفع للتفاوض بلا خطة ولا استراتيجية، وفي عجلة أورثت ريثاً، والآن والمفاوضات الجزئية تدور في جوبا يحدّثنا بيان للقوات المسلحة، أن قتالاً اندلع بالأمس في جبل مرة، إثر هجوم شنّته قوات عبدالواحد محمد نور، بالتعاون مع تنظيم الصحوة وهو التنظيم الذي أنشأه موسى هلال قبل احتدام صراعه مع الحكومة البائدة.
وإذا كان شرط إشراك كل الحركات مهما كلف ذلك من زمن أساسياً، فإن الشرط الثاني هو أن يتفق الناس حال جلوسهم لمائدة المفاوضات، على وقف إطلاق النار بين الطرفين بشروط معينة تحت إشراف إما من قوى مشتركة من كل أطراف الصراع، أو من طرف ثالث لضمان الالتزام وعدم انتهاك بنود الاتفاق، ومحاسبة من ينتهك ذلك الاتفاق، ومحادثات جوبا ظلت دائرة على أساس الإعلان الاختياري الذي دخل فيه أطراف الصراع مع الحكومة البائدة، والذي يجدد بطرق فردية واختيارية كلما انتهى أمده، دون وجود آليات رقابة ولا رصد للانتهاكات، ولا محاسبة، ولذلك فإطلاق النار الذي حدث بالأمس في جبل مرة، والذي حدث قبل شهور في جبال النوبة، لم ينتهك اتفاقية ثنائية مكتوبة وموقّعة من الطرفين، ومراقبة بواسطة آلية متفق عليها، وكلا الطرفين اللذين قيل إنهما شنّا الهجوم في جبل مرة، ليسا طرفين في محادثات السلام، وليس لديهما أي اتفاق مع الحكومة.
وفي وسعنا أن نتوسع أكثر وأكثر في القواعد الأساسية التي لم تلتزم بها محادثات جوبا، لكن كفانا ذلك أن كثيراً من القوى السياسية قد قررت أن الطريقة التي تدور بها المحادثات الآن لن تنتج سلاماً «شاملاً» ولا سلاماً «دائماً»، وخير لنا أن نتوقف لنراجع الموقف، ونرصد أي تفاهمات إيجابية تم التوصل إليها خلال شهور محادثات جوبا، واعتبارها المرحلة الأولى من مسعى تحقيق السلام، ثم الإعداد بتؤدة ووفق استراتيجية مدروسة ملتزمة بالوثيقة الدستورية والآليات التي رسمتها لإدارة محادثات السلام، وأن ندير حديثاً مكثفاً مع الممانعين أو ذوي الأفكار المختلفة، حتى نشركهم في الحوار، فشمول المحادثات يعني فيما يعني عدم استبعاد أي مقترح من مائدة الحوار، ومواصلة الحوار حول القضايا المختلف عليها، حتى يصل الناس لوفاق حولها، أما أن يتهيب الناس القضايا الخلافية مثل علاقة الدين بالدولة، فذلك يهزم فكرة السلام الشامل.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.