الإثنين 22 ذو القعدة / 13 يوليو 2020
08:21 ص بتوقيت الدوحة

«الكورونا» والتأديب العالمي

«الكورونا» والتأديب العالمي
«الكورونا» والتأديب العالمي
إننا في أزمة أظنّ أنها تحوّلت داخل أغلب دول العالم إلى ما يُشبه الملهاة، أو بوصفها نمطاً من الكوميديا السوداء التي تكشف عمّا هو مخبوء وكامن من عيوبنا وسلبياتنا على المستوى الفردي والجماعي والمنظومي، ولا أظنّ أيضاً أنه من العقل أن نحمّل أجهزة الدولة والمسؤولين كل شيء في كل شيء؛ لأننا بصدد تراكمات تاريخية منذ عشرات السنين من الاستبداد والفساد والتبعية والتخلف الثقافي وتفتّت الوعى والفكر وتجريف الأخلاق والقيم، بحيث أصبح مجتمعنا يعيش في حالة من السيولة الكاملة التي تفضى إلى جميع النتائج والاحتمالات المفتوحة والمفاجآت غير المحسوبة، وهذا يقود إلى فرضية أساسية، وهي أن بعض الدول نفسها ربما تمرّ بأزمة لم تُطرح على البساط منذ عدة عقود مضت؛ حيث فرض وباء «كورونا» نوعاً من الموقف الإشكالي الذي تفجّر من خلاله كمٌّ غير محدود من التعثّرات الموقفية والتناقضات اليومية، بل واللحظية، التي تختلف من حيث الشدة والتأثير.
وما بين هذا وذاك، يبدو لنا الموقف في صورته الراهنة المتردّية عن أزمة في التاريخ العميق لبنية العقل الإنساني؛ ولذلك يصبح من العبث والجنون وإضاعة الوقت في تبادل الاتهامات على كل المستويات، ذلك لأن حالة اللاوعي المجتمعي تنسحب على كل ما عداها لتشمل الغالبية العظمى من الشعوب دون النظر إلى اللون أو الطبقة أو الدين أو العرق أو النوع أو التعليم أو الوظيفة والمهنة أو حتى المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
فحركة المواطنين في شوارع أغلب دول العالم، والتي تتسم بقدر كبير من الفوضى الصامتة والمغلّفة بمنطق المصلحة وأكل العيش، والذي يتبدّى في حدّة الصراع المأساوي الدراماتيكي ما بين المرض والجوع، فالأنظمة تُعنى بضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة للحظر الشامل؛ حفاظاً على صحة المواطنين وبخاصة مع تفشّى الوباء وازدياد حالات الوفاة. وعلى الجانب الآخر، فإن مثل هذا الإجراء يعني ارتفاع معدّلات البطالة والفقر لنسب قياسية لم تحدث في تاريخ بعض هذه الدول؛ لأن شمولية وكلية الحظر تعني فقدان ملايين من عمال اليومية -الذين يشكّلون النسبة الأكبر في إطار ما يُسمّى بالقطاع غير الرسمي- وظائفهم ومصدر رزقهم الوحيد (باليوم أو حتى بالأسبوع). ولأن معظمهم لا يملك أي احتياطي يمكن الاعتماد عليه، فإن ذلك الإجراء يعني بالنسبة لهم الجوع والموت. ولأن غالبيتنا لا يعرف معنى ثقافة الجوع، فإننا وبالقدر نفسه نختزله في مجرد لقمة العيش، وهذا أمر شديد الخطورة.
الجوع هو المؤسّس للجريمة والعنف والفوضى (ثورة الجياع)، والتي عندها يفقد العقل والضمير معاً كل أسباب الرحمة والصبر، ويندفع الفرد في ساحة حرب واسعة تشبه الحالة التي أطلق عليها الفيلسوف توماس هوبز «حرب الكل ضد الكل»، وبالتالي فإن الدول تدرك ملامح أو الحد الأدنى من مظاهر هذا الموقف الإشكالي، وهو ما يفسّر الإصرار على عدم اتخاذ إجراء الحظر الشامل. وببساطة شديدة جداً لو سألنا الكثير ممن يعملون باليومية: (هل تفضّل الموت بالكورونا أم الموت جوعاً؟) فسوف تكون الإجابة بلا تردّد: الموت بالكورونا! لأن هذا الوباء بالنسبة لهم ولمعظمنا قابل للشفاء، أما الجوع فلا دواء له.
لقد أدرك الكثيرون خلال هذا الوباء القاتل مدى أهمية المنظومة الصحية والتعليمية، وأن الإهمال المتراكم في تطوير تلك المنظومات تحديداً، ولعقود طويلة، قد أدى إلى تلك المشاهد البائسة في المستشفيات ومراكز العزل والحجر الصحي بالنسبة للمرضى أو من يعملون بالقطاع الطبي في أغلب دول العالم. والسؤال المُلحّ والضروري: هل سنظلّ كما كنّا بعد انتهاء هذا الوباء أم نحتاج لمزيد من الكوارث لنتأدب؟!
والسلام ختام... يا كرام

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

«الكورونا» هبة الله

22 مايو 2020

أحفاد قُداره

12 مايو 2020

إلى أشباه النمرود

06 يونيو 2019

يمكرون ويمكر الله

30 مايو 2019