الجمعة 17 ذو الحجة / 07 أغسطس 2020
06:53 ص بتوقيت الدوحة

«الفيل الأبيض» في حياتنا!

«الفيل الأبيض» في حياتنا!
«الفيل الأبيض» في حياتنا!
مما يُروى أن قصة مصطلح «الفيل الأبيض» جاءت من الممالك القديمة لدول شرق آسيا، وتحديداً مملكة سيام أو مملكة تايلاند الحالية، التي يمثّل الفيل الأبيض فيها رمزاً للنجاح وتعبيراً عن القوة والثروة والرخاء. وفي ظل تلك الوضعية، كان قيام الملك بإهداء الفيل الأبيض كسلاح ذي حدّين؛ فهو لمن يحبّ مكانة إضافية يتم منحه ومعه قطعة أرض تسمح للمالك بالحصول على مورد للإنفاق على الفيل، بما له من مكانة وما يستحقه من خدمات؛ ولكن في حالة تم تقديمه إلى شخصية مكروهة فإنه يقدّم بمفرده ويسبّب خسارة كبيرة للمالك، الذي يصبح مالكاً لرمز لا يستطيع رفضه ولا يحصل منه على عائد، ويحتاج رغم هذا إلى إنفاق الكثير من الموارد من أجله بما قد يتسبب في إفلاسه؛ حيث كان محرماً على المالك أن يجعل الفيل الأبيض يعمل! وبالتالي فهو في الواقع مشروع إفلاس، وأن هذا الفيل ليس له فائدة تُذكر، فهو غالي الثمن ومكلّف، ويحتاج رعاية دائمة واعتناء، ويهدر الأموال على كل شيء، ومنها أنه يستهلك طعاماً أكثر من بقية الفيلة؛ إذن فهو عبارة عن ثقب أسود في الميزانية وملكية عديمة النفع إن صحّ التعبير.
وفي التراث الهندي، فإنّ طبقة الأغنياء هناك كانوا إذا صعد رجل من عامة الشعب لطبقتهم أقاموا له احتفالاً وأهدوه فيلاً أبيض، لا يستطيع أن يركبه ولا يستطيع أن يحمل عليه؛ لقداسته. ومن واجبه أن يطعمه ويرعاه، وليس أمامه خيار إلا قبوله والتباهي في رفاهيته، ومع مرور الوقت يجد نفسه بمأزق يتسبّب في الفقر العاجل لهذا الرجل ويعود إلى طبقته الاجتماعية السابقة، فيتخلّص منه الأغنياء.
تُستخدم هذه الحكاية -يا رعاكم الله- في عصرنا الحالي على سبيل العبرة الإدارية؛ حيث يُقال إن فلاناً تلقّى فيلاً أبيض كهدية، ليقصد بذلك أن من أهداه الفيل الأبيض أراد في حقيقة الأمر أن يشغله بهذه التبعة والحمولة الثقيلة، فيوقعه في فخّ يحرق به جهده وطاقته ويُفشل مساعيه.
هناك الكثير من الفيلة البيضاء في أوطاننا العربية التي لا تقدّم خدمات تسدّ احتياجات الإنسان العربي الأساسية، وتستنزف موارده. انظروا إلى مكانة معظم الدول العربية في المؤشرات العالمية وفي التقارير الدولية كالتنافسية وأداء الأعمال، والفساد، والتجارة الإلكترونية... إلخ، سنجد فيها فيلة بيضاء خربت الاقتصاد والسياسة.
وفي حكاية الفيل أعلاه، أيضاً، استعارة إلى كثير من الأشياء والأمور في حياتنا العامة، وعلى كثير من مشاريعنا التي نخشى التخلص منها رغم استنزافها لنا، عندما نضطر إلى أن ندفع مصاريف كبيرة على أشياء وأمور غير مفيدة ولا مجدية وتكاليف رعايتها أكثر من الخدمة المرجوة منها، حتى أصبح الملايين من أمة العرب متخمين بفيلة بيضاء تورّطوا بها. ولا ننسى أن هناك فيلة بيضاء في مجال العمل وبين رفوف الماضي والحياة الخاصة وببعض الأفكار التي تسبّب لأصحابها توتراً وقلقاً مستمراً.
وعليه؛ لا بدّ لأحدنا أن يفكّر مليّاً قبل اتخاذ أي قرار مهما كان ظاهره جميلاً ومغرياً؛ إذ يقول الفيلسوف الألماني إدوارد ويمبر: «لا تتسرّع بعمل شيء، بل انظر جيداً لكل خطوة، وفكّر منذ البداية ما قد تكون عليه النهاية». أما المفكّر الإنجليزي برتراند راسل فيقول: «لو شعرتَ بأن سفينتك تغرق، قد يكون هذا هو الوقت المناسب للتخلص من الأشياء غير الضرورية التي تثقلها».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.