الخميس 25 ذو القعدة / 16 يوليو 2020
06:26 ص بتوقيت الدوحة

أرض العميان (2-2)

أرض العميان      (2-2)
أرض العميان (2-2)
أحد أصدقائي أوشك على الانتهاء من كتابة رواية طويلة عن أحوال المعارضة المصرية في الخارج منذ 2013م، وقد اقترحت عليه اسماً للبطل الرئيسي لروايته، وهو معارض ليبرالي يسحق الجميع من أجل مصالحه الشخصية الضيّقة.
اقترحت أن يطلق عليه اسم «سمير ملوخية»، وهو الشخصية المقابلة لشخصية نيونز بطل رواية «أرض العميان» للروائي البريطاني الشهير هربرت جورج ويلز الصادرة عام 1904م.
نيونز شخصية انتهازية حقيرة، عندما اكتشف أن أهالي القرية التي هبط عليها بالصدفة مجموعة من العميان لا يدرون أنهم عميان، استرجع مقولة: «الأعور وسط العميان ملك»، وظل يحاول إقناعهم بأنهم عميان وأنه مبصر، وأنه يرى الأشياء التي لا يرونها، وأنه جدير بأن يكون ملكاً عليهم، لدرجة أنهم اعتبروه مجذوباً ويعاني خللاً في عقله!!
عندما يئس نيونز منهم، حاول الفرار من قريتهم فلم يستطع أبداً، واضطر للعودة إليهم بعد تعب وجوع وعطش وفقدان إحدى عينيه، ليقرّ لهم بخطئه ويضع نفسه تحت تصرفهم مجدداً، وقد فعلها سمير ملوخية أيضاً في الرواية الجديدة، عندما انكشف أمر اتصاله بكل الأطراف المتخاصمة للحصول منها على المال لنفسه، مما أسفر عن تورطه فيما هو أكبر من فضيحة المال القذر.
المهم أن العميان في قريتهم تقبلوا وجود نيونز بينهم على مضض، وسمحوا له أن يعيش معهم دون اختلاط، لكنه صادف فتاة يعتبرها شبان القرية قبيحة وذميمة، لأن وجهها مدبب، ولها أهداب طويلة مما يخالف فكرتهم عن الجمال! بينما استطاع هو -لأنه مبصر- أن يعرف أنها أجمل فتيات القرية على الإطلاق.
أحبها نيونز بصدق وتقدم لخطبتها، فسُقط في يد أبيها، هل يرضى بالمجذوب الذي هبط عليهم من غير موعد؟؟!! أم يرفضه ويترك ابنته القبيحة -في رأيهم- بلا زواج؟!
طلب مشورة حكيم قريتهم، فكان رد الحكيم بعد فحص الشاب، أن سبب جنونه هو عضوان مزعجان في وجهه أعلى أنفه -يقصد العينين- وأنه يجب استئصالهما ليعيش طبيعياً مثل بقية سكان القرية! وإزاء هذا الموقف قرر نيونز الفرار من القرية مجدداً، ونجح هذه المرة ليعود إلى عالمه، ويروي قصة «أرض العميان»!
وهنا تنتهي رواية أتش جي ويلز «1866-1946م»، والتي تلقي الضوء على موقف سمير ملوخية أو نيونز في «أرض العميان»، وهو مغامر أفّاق حاول قدر جهده أن يتماهى مع سكان القرية، لا ليكون واحداً منهم، ولكن ليكون ملكاً عليهم، فهو يعتبر نفسه يمتلك ميزة عن العميان، ويجدر به بناء على ذلك أن يكون ملكاً عليهم.
وفي إحدى العبارات الرائعة في الرواية يقول ويلز على لسان بطل الرواية نيونز في مونولوج يتحدث فيه إلى نفسه: «لو جاء مبصرون لقرية العميان لعملت فوراً على إبعادهم عنها بكل الطرق حتى لو قتلتهم جميعاً، لأن وجودهم يعني أنني لا يمكن أن أصبح ملكاً على تلك القرية، لا يمكن لأعور أن يصبح ملكاً على المبصرين، الأعور في بلد العميان فقط يصير ملكاً»، ومن تلك العبارة ربما جاء المثل الاسكتلندي الشهير، والذي يقول المعنى نفسه:
«In the land of the blind, The one-eyed man is KING»، لو تخيلت أن نيونز الانتهازي بطل رواية «أرض العميان» لهربرت جي ويلز، يعيش بيننا الآن، ترى ماذا كان سيفعل؟! وكيف ستكون انحيازاته الأخلاقية والثورية؟!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا