السبت 13 ذو القعدة / 04 يوليو 2020
06:18 م بتوقيت الدوحة

تفاهة الشمولية: أفول عصر الحرية

تفاهة الشمولية: أفول عصر الحرية
تفاهة الشمولية: أفول عصر الحرية
إذا كان عصر الحرية المُستلهَم من روح الأنوار وفلسفات الحق الحداثية، التي اختزلها «ستيوارت ميل» في عبارة: «إن للفرد سلطاناً مطلقاً على نفسه وجسمه وفكره»، والتي ظلّت شعاراً لعصر الحرية المفرط في فردانيته؛ كما أن المبدأ التاريخي الهيجيلي المُتطلِّع إلى اكتمال روح التاريخ باكتمال الحرية كوعي بالذات، كل ذلك قد يُخفي حقيقة تاريخية مفادها أن الحرية تحمل في جوهرها بذور فنائها، والتي تُسعفنا في طرح سؤال حيوي: هل اكتمال عصر الحرية بمثابة إعلان عن فنائها؟ أو بتعبير «كاثرين هيلز» كيف أصبحنا ما بعد إنسانيين؟
دون أن نسقط في شغب التعريفات الممكنة للحرية، فإننا نفترض حضور المفهوم هنا في بعديه الأخلاقي/ القانوني والوجودي/ الأنطولوجي؛ لأن مفهوم الأفول يشمل مفهوم الحرية في كليته، قد تكون فرضية «اكتمال عصر الحرية» مُمهِّدة لعملية انتقال على مستوى جوهر المفهوم وماهيته، من خلال مفهومين دالّين على معنى فقدان الحرية: مفهوم الاستلاب أو الاغتراب (Aliénation) ومفهوم انتفاء الوجود (L'absence d'existence).
إن الانتقال من عصر «التقنية المُستلِبة» أي النزعة «البرومثيوسية» الكامنة في الطفرة التكنولوجية، من خلال السيطرة على الطبيعة وإخضاعها لسلطة الإنسان المُحرِّر (إنسان الحداثة)، إلى نزعة «تانتالوسية» كاشفة لسر الآلهة، مُتطلّعة إلى السيطرة واستعباد البشر وإخضاعهم لسلطة ما أسماه «هوبز» الإله الفاني أو الإنسان المؤلّه (إنسان ما بعد الإنسانية/ Post humanisme). وهي عملية تحوّل عميقة في مفهوم الحرية في بُعديها الأخلاقي والأنطولوجي، تشكّل منعطفاً حاسماً في الفكر الإنساني، بالانتقال من «لحظة التشيؤ» (Reification) فقدان المعنى أو الإنسان البضاعة بتعبير «لوكاتش»، إلى ما أسميه «لحظة التلاشي أو انتفاء الوجود» أو (الإنسان الافتراضي). وهي عملية تحوّل من إنسان البعد الواحد حسب «هربرت ماركيز» (استلاب التقنية)، إلى إنسان من دون أبعاد (انتفاء الهوية) خارج الزمان والمكان والنطاق؛ فالإنسان المُجرّد من الكينونة والأبعاد يشهد اغتراباً عن الحقيقة كمعطى دالّ على الوجود (معرفياً)، واغتراباً عن القيمة كمعطى محدّد للوجود (أخلاقياً).
إن الإغراق في الهستيريا الجماعية التي يعرفها العالم، وانسداد أفق التحرّر من سطوة الإعلام وتقنيات التواصل، خطوة مُمهِّدة لعصر ما بعد الحرية. كما أن فكرة توحيد الهوية الإنسانية (القرية الكونية)، وإنهاء الانتماءات الثقافية الفرعية (عولمة أنماط العيش والحياة) هي عملية تفكيك الوجود الثقافي والوجداني للإنسانية، كما أنها مقدّمة للانتقال من الاغتراب الفردي، إلى الاغتراب الجمعي كصورة جدّ معبّرة عن عودة الشمولية.
إن تراجع الوعي الأيديولوجي والسياسي/ الأخلاقي بمفهوم الحرية، من خلال الانتعاش المفرط لثقافة الحقوق الفردية والحرية المفرّغة من الوعي الاجتماعي، هو نوع من فكّ الارتباط ما بين الفرد والأنساق الاجتماعية والسياسية الحاضنة (الأسرة، والحزب، والدولة...)، بغاية إفراغ الحرية من محتواها الاجتماعي، وخلق كائنات مُغتربة لديها «القابلية للاحتواء». من أجل ذلك تُوظِّف قوى الشمولية التكنولوجيا الحيوية بكثافة وإفراط، كي تضفي طابعاً شمولياً على هذه الجواهر المعزولة؛ حيث يُصبح ما هو شخصي وخاص مُجرّد نسخة ممسوخة لصورة من القِيَم والثقافات المُصطنَعة؛ تضمن الانتقال بالكائن من حالة فقدان المعنى والفراغ الروحي والمعرفي أو الوعي الزائف (الإنسان المُستلَب)، إلى حالة فقدان الوجود والكينونة وفقدان الاتصال بالواقع أو انتفاء الوعي (الإنسان الافتراضي). ولعلّ أخطر مظاهر انتفاء الوجود، التوجه نحو ما أسميه «عالم بلا أسرار» أو الإنسان المنكشف الوجود.
إن الحفاظ على الكينونة أو استرداد الوجود، يَمرُّ عبر حالة من التماهي مع الموجود (حالة التصالح والعودة للطبيعة)، لتحقيق مفهوم «الحياة الطيبة»، التي يتصالح فيها الإنسان مع ذاته ومحيطه، ويتخلّص من العبودية الجديدة، التي تتفنّن في صناعة حاجات لا متناهية خارج الضرورة؛ أو من خلال حالة الاستغناء واللامبالاة (الاباثيا/ Apathie) التي يُسيطر بها الإنسان على حالة السَلْبِ التي تَرْهَن وجوده وتقوده إلى حافة العَدَم. إننا بحاجة إلى ابتكار وسائل جديدة أكثر إنسانية، وبناء علاقات وقِيَم قادرة على استرجاع الروح المُستباحة، التي تشهد أعنف حرب ضد الشمولية دفاعاً عن آخر حِصن للحرية: عالم الأسرار والحميمية الذاتية والاجتماعية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.