الأربعاء 05 صفر / 23 سبتمبر 2020
10:41 م بتوقيت الدوحة

خطورة معضلة احتكار التمثيل

خطورة معضلة احتكار التمثيل
خطورة معضلة احتكار التمثيل
نواجه في اليمن معضلة خطيرة تمثل أهم جذور دورات العنف المتكررة، وهذه المعضلة هي احتكار أحقية الحكم والتفوق الاجتماعي والتمثيل المناطقي. لدينا في الواقع مثالان يمكن الاكتفاء بهما لشرح الفكرة، الأول في الشمال ويتمثل بميليشيات الحوثي التي تدّعي أحقيتها بالحكم دون انتخابات أو اعتبار للإرادة الشعبية، كما تدّعي تفوقها اجتماعياً وهو ما يمنحها -وفق تصورها هذا- امتيازات سياسية، والثاني في الجنوب ويتمثل بميليشيات «المجلس الانتقالي» التي تكرر الادعاء نفسه بتمثيل الجنوب، وتذكي التعصب المناطقي في اجترار لماضٍ مؤلم ومثخن بالجراح، التي تسببت بها دعاوى احتكار التمثيل.
فالطرف الأول ليس مكوناً سياسياً مثل الأحزاب والقوى المدنية، التي تعمل وفق الدستور والقانون وتنتهج الخيار السلمي فقط في عرض رؤاها ومشاريعها وتحقيق أهدافها، وإنما ميليشيات مسلحة تمتلك سلاح دولة، وكل ما حققته من سيطرة جغرافية وموارد مالية وسلطة هو بفضل القوة، مع عوامل أخرى بالطبع محلية وخارجية، وهذه القوة هي لغة تعاملها الوحيدة مع بقية المكونات التي تختلف معها حتى من قبل التدخل الخارجي، ولهذا ترفض التحول إلى حزب سياسي يحكم عبر الانتخابات. وبجانب خطورة امتلاك السلاح الذي يوازي قوة دولة، يوجد لدى الحوثيين ما هو أخطر منه في نظر البعض، وهو الأيديولوجيا والمشروع الفكري السياسي، الذي يمكن اختصاره بادعاء أحقية الحكم، لأنهم ينتمون لمكون معين متفوق اجتماعياً وفق رؤاهم وأدبياتهم، ومن حقهم فرض ذلك عبر القوة، وقتال المعارضين الذين لا يحق لهم -وفق هذه الأيديولوجيا- الاعتراض، وهذا هو الحاصل منذ سيطرتهم على صنعاء في 21 سبتمبر 2014 وحتى اليوم.
مشروع الحوثيين عمره أكبر من حركتهم، وهو مشروع أجدادهم الذين كرروا حروبهم على اليمنيين في كل فترة زمنية تمكنوا فيها بالمزاعم نفسها، وهي أنهم الأحق بالحكم دون سواهم، ولا يحق لأحد مطالبتهم بالاحتكام للانتخابات التي حددها الدستور كوسيلة وحيدة للوصول للسلطة وتداولها. لقد تنازلت لهم القوى السياسية عن الكثير، بما في ذلك منحهم تمثيلاً أكبر من حجمهم الشعبي في مؤتمر الحوار الوطني، الذي انتهى مطلع 2014، على الرغم من أنهم كانوا يحاربون الدولة وقتها، ومع ذلك قابلوا التنازل والتسامح بتوجيه السلاح ضد المتحاورين معهم.
وفي هذا الاتجاه يسير «المجلس الانتقالي» مدعياً أنه الممثل السياسي للجنوب، على الرغم من أنه مجرد مكون طارئ ولم يُنتخب شعبياً، وكل الأساس الذي يستند إليه هو تنظيمه عدة مظاهرات، والإعلان أن الشعب فوّضه مع أن الشعب بالملايين، بينما المشاركون في فعالياته آلاف الأشخاص. وبسبب امتلاكه القوة والدعم المالي والسياسي من حليفه الخارجي، فرض سيطرته على عدن ولحج والضالع وجزء من أبين، ويتولى حكمها، ويستخدم القوة ضد معارضيه، وينزع منهم جنوبيتهم لاختلافهم معه سياسياً، مع أنه مجرد طرف واحد من مكونات كثيرة، وقد رفضته معظم محافظات الجنوب.
لذلك فإن معضلة احتكار التمثيل بشقيه المذهبي والمناطقي، وتوفر السلاح مع أصحابهما هي جذور الصراع الحالي واستمراره، مع عدم إغفال العوامل والأطراف الأخرى، وفي مقدمتها الأطماع الخارجية والمؤثرون في المشهد وأبعاده.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.