الأحد 08 شوال / 31 مايو 2020
01:27 م بتوقيت الدوحة

«الكورونا» هبة الله

«الكورونا» هبة الله
«الكورونا» هبة الله
وباء «الكورونا» عقاب مُؤلِم ومُزلزِل للبشرية، ولكن ما أروعه من درس إلهي سماوي يصدر عن إرادة تتخطّى كل القوى والأعراف البشرية، وتتحدّى منطق الإنسانية بما يفوق كل تصوراتها وإمكاناتها، وتضع حدّاً للغرور والكبر والعنجهية والهمجية والغطرسة والبطش والظلم، في عالم باتت الإنسانية نفسها فيه ضرباً من الخيال. وهذا الموقف المتأزّم الذي يعيشه العالم بأسره هو وحده من يعيد الأمور إلى نصابها والحق لأصحابه، ويقود إلى أكبر حركة ردع للنفس البشرية التي اعتادت المعصية والفحشاء والفجور دون النظر إلى السنن الربانية، وكذلك أعظم بداية لحركة التغيير القادم وبسرعة، لتشهد على سلسلة من التحولات تنقل العالم إلى مسار آخر، وربما نتجه إلى رسم نظام عالمي جديد أو فوضى كونية مرتقبة أتوقّعها ولا أتمنّاها.
في هذا السياق، فإن القدرة الإلهية التي جنّدت أصغر مخلوق لديها ليفزع العالم كله هي الآن من تردّ الفرد إلى طبيعته الاجتماعية الخيرية في إطار الأسرة المفكّكة المفتّتة، التي صارت بيئة صراع رهيب على مدار سنوات طويلة؛ ولكن الموقف العام أصبح يفرض علينا العودة للدفء الأسري وأجواء التجمع والنقاش، وحل المشكلات الزوجية، وإعادة الحوار بين الأبناء والتقارب بين أفراد الأسرة، واكتشاف العديد من الأمور التي لم نكن لنعرفها سوى بظرف خاص لم يكن في الحسبان. وأتوقّع هنا زيادة عاقلة في المواليد، وتزايداً طفيفاً جداً في معدلات الزواج، وتراجعاً حادّاً في أعداد ونسب الطلاق بكل أنواعه، وخاصة المبكر والوجداني، ونقص معدلات الإصابة بأمراض مثل السكري والضغط وخلافه، والاتجاه إلى ترشيد الاستهلاك والمشاركة الجماعية في صناعة القرار الأسري، ومزيد من الضبط على أفرادها وعودة الدور الأساسي للأسرة، وهو التنشئة الاجتماعية والحفاظ على المرأة من جرائم التحرش والاغتصاب، وحماية الأبناء من خطر الإدمان ورفقاء السوء.
إن كل هذه المسائل -وغيرها الكثير- إنما تمثّل استعادة لهيبة الأسرة وكبريائها لتمارس أدوارها المكلّفة بها منذ فجر التاريخ، والحقيقة أن هذا الموقف الاستدراكي يفترض بنا استدعاء كل التراث الخليجي العربي الإسلامي في أمور ووقائع ترتبط بأصول الزواج بدايةً، ثم كيفية بناء الأسرة السليمة والتعامل ما بين الزوجين وإنجاب الأبناء وتربيتهم، وحل المشكلات والخلافات الأسرية، وكل هذه المسائل يمكن أن تساهم في تنقية وفرز الثقافة العامة وتطهيرها، وإصلاح المجتمع في إطار يجمع ما بين الفرد والجماعة والمؤسسة في آن واحد.. فهل نستطيع بعد ذلك أن نطلق على «كورونا» أنه وباء أم أنه عودة إلى منظومة الأسرة؟
من لم يستغلّ هذه الهبة في إعادة ترتيب أوراقه الشخصية والأسرية والمجتمعية، سيفقد الكثير من الكنوز الإلهية التي لا تأتي عبثاً أو بالصدفة، فهذا تدبير المدبّر وحكمة أحكم الحاكمين.
لا تملك حظاً، ولكنك تملك الاستعداد لاغتنام الفرص.
والسلام ختام... يا كرام.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

أحفاد قُداره

12 مايو 2020

إلى أشباه النمرود

06 يونيو 2019

يمكرون ويمكر الله

30 مايو 2019

يوم لا ينفع الندم

14 مارس 2019