الخميس 05 شوال / 28 مايو 2020
10:55 ص بتوقيت الدوحة

مجابهة الصين (2-2)

مجابهة الصين     (2-2)
مجابهة الصين (2-2)
كانت الصين تعتبر نفسها مركزاً للعالَم المتحضر، وكان من غير الممكن النظر إلى البعثات القادمة من الخارج إلا على أنها جاءت حاملة لجزية، أو للتعبير عن الإجلال والثناء، وليس على أنها مرسلة من أنداد متساوين أبداً، ولكن يبدو أن مكارتني -في ثقته من أن بريطانيا كانت القوة الأولى في العالم- لم يكن بوسعه أن يتعامل مع الصين على ذلك الأساس، كان الهولنديون -مثلهم في ذلك كمثل الاتحاد الأوروبي اليوم- مهتمين في المقام الأول باختراق السوق الصينية، وكانوا على استعداد للعب وفقاً لقواعد الصين.
حتى على الرغم من تضاؤل نفوذ بريطانيا، فإن صَدى صِدام القوى العظمى في زمن مكارتني ما زال يتردد حتى الآن، على مدار قرن من الزمن تقريباً، لم يكن الادّعاء الأميركي بأن الولايات المتحدة تمثل نموذجاً لا نظير له للحضارة أقل إغراقاً في المبالغة من النظرة الصينية لأباطرة تشينج.
عندما كانت الصين فقيرة وواقعة تحت رحمة القوى العظمى العالمية، كان من السهل أن يتفضل الأميركيون على الصينيين باعتبارهم متحولين محتملين إلى الديمقراطية، والرأسمالية، والمسيحية، من ناحية أخرى، كان التعامل مع الإمبراطورية اليابانية الجامحة في أوائل القرن العشرين أصعب كثيراً، فعندما طالبت اليابان -بصفتها دولة موقعة على معاهدة فيرساي في عام 1919- بإضافة فقرة ضد التمييز العنصري بين أعضاء عصبة الأمم، رفضت الولايات المتحدة (وأستراليا) طلبها.
في عهد الرئيس ماو تسي تونج لم يكن هناك أي أموال يمكن جنيها في الصين، ومع ذلك، فشلت الدول الغربية في الاتفاق على كيفية التعامل معه، عندما اعترفت بريطانيا بجمهورية الصين الشعبية في عام 1950، بعد عام واحد فقط من الثورة، كانت الولايات المتحدة في تحضيرها لحملتها العنيفة ضد الشيوعية العالمية، تشعر بغضب شديد، وحتى سبعينيات القرن العشرين، كانت واشنطن تعترف بنظام تشيانج كاي شيك القومي على جزيرة تايوان الضئيلة، باعتباره الحكومة الشرعية الوحيدة للصين.
الآن، وقد أصبح من الممكن جني قدر كبير من المال في الصين مرة أخرى، عدنا إلى زمن مكارتني، لا تزال حدود المملكة الوسطى هي تقريباً ذات حدود إمبراطورية تشينج، والحكومة هناك ليست أكثر ديمقراطية مما كانت عليه في عهد الإمبراطور تشيان لونج، وبعد قرن من الحروب، والغزوات، والفقر الجماعي، وسفك الدماء، باتت الصين تُعَد مرة أخرى نموذجاً للحضارة، والذي يُنتَظَر من الهمج أن يقتدوا به.
صحيح أن مشهد الصين -كقائد محتمل- للعالم ليس جذاباً، لكن الولايات المتحدة تتلاشى بسرعة كبديل، لقد اتسم «القرن الأميركي» بالعديد من الحروب الحمقاء، والجمود الإيديولوجي، والدعم المفرط لبعض الأنظمة الدكتاتورية الشديدة السوء، ورغم كل ذلك، كان التمسك العالمي بالقيادة الأميركية قائماً على نطاق واسع على احترام شكل من أشكال الحكم الذي كان -على الرغم من العيوب التي شابت تنفيذه- يخاطب التطلع الإنساني إلى الحرية، بما في ذلك في أجزاء من العالَم الناطق باللغة الصينية.
لا يصدق القول نفسه على الصين اليوم، وإذا كانت الصين راغبة في قيادة العالَم، فسوف يكون لزاماً عليها أن تقدم ما هو أكثر من المال والترهيب، فلا تزال الحرية تشكل أهمية كبرى، وإلا، فلماذا أقام الطلاب الصينيون المحتجون تمثالاً بارتفاع 10 أمتار لإلهة الديمقراطية في ساحة بوابة السلام السماوي في عام 1989؟ لن تكون الصين قادرة على النهوض بهذه القضية على نطاق عالمي ما لم تبدأ بالداخل أولاً.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا