الخميس 05 شوال / 28 مايو 2020
11:01 ص بتوقيت الدوحة

«اللازنيا» بالسياسة

«اللازنيا» بالسياسة
«اللازنيا» بالسياسة
هذا العنوان قد يبدو صديقاً للجميع، وقابلاً للنشر، ربما باستثناء من لديهم حساسية الجلوتين، أو من يدّعون ذلك، لا سيما وأنها أصبحت موضة أكثر منها عارضاً صحياً، ومقاطعي اللحوم، وهم محبّو الخسّ والجرجير إلى الأبد، المهم، لماذا اللازنيا صديقة الجميع؟ لأنها بعيدة عن السياسة وعن الشؤون العامة، وعن الآراء والقضايا وعن التفكير، وأيضاً عن التعبير.
هذا ما نُصحتُ به أكثر من مرة عند إبداء رأيي في مسألة ما، أو في قضية ما، وحتى على مستوى أُسري، قبل التطرق إلى المستوى المحلي أو الدولي، فإذا أردت أن أعبّر عن فكرة ما أو رأي ما داخل الأسرة، غالباً ما يكون الجواب الأفضل عدم القيام بذلك، مخافة أن يستاء أحد أفراد الأسرة، فكسب القلوب أولى من الحقيقة، على المستوى المهني، بات من المسلّم به أن كسب ودّ المديرين في العالم أولى من التعبير عن أفكارك، لأن وظيفتك أن تكتب وتؤكد على أهمية التعبير، وحثّ الشباب على التفكير خارج المألوف، لكن في الوقت نفسه ألا تقوم أنت بذلك، وما تحقيق فيلم «الطفل المدير» لأرباح فاقت 580 مليون دولار أميركي إلا دليلاً على ذلك، حيث من هوايات هذه الشخصية إنهاء الخدمات، والتسلّق إلى مكتب في أعلى البرج، له حمامه الخاص، وإطلالته المميزة، والطموح ليس خطأ.
على مستوى الشؤون المحلية في مختلف الدول العربية، رأيك الحر غير ضروري، وأصلاً غير مهمّ على الإطلاق، إذا لم تكن ضمن القافلة التي تسير بأولئك المقرّبين، الذين باتوا نسخة واحدة طبق الأصل، في أقوالهم وأفعالهم ومجالات عملهم، وحتى في طعامهم ونمط حياتهم، ربما لأن أجرهم واحد، فينعكس ذلك على طريقة حياتهم بشكل لا إرادي، حيث نوع السيارات متقارب، والمشاركة في البرامج الإعلامية نفسها، والإعلانات ذاتها، أما بخصوص إعادة نشر وتغريد الرسائل الحكومية، فهذا كما يُقال «ستاندرد»، حيث يتم النشر في اللحظة نفسها، والثانية ذاتها، حتى تكاد تظنّ أنك في غرفة كبيرة مليئة بالمرايا، وهناك عشرات النسخ منك.
قد نختلف في طريقة إعداد اللازنيا، فمنهم من يحبّ السبانخ في مكوناتها، ومنهم من يفضّلها بالفطر فقط، ومنهم من يحبّ الجبن الفرنسي بدلاً من الجبن الإيطالي، ناهيك عن الاختلاف في كمية «كريمة الطبخ» السائلة، لكن هناك إجماع أن اللازنيا لا تؤدي بنا إلى السجن، ولا الغرامات، أو استدعاءات إلى التحقيق، وهي أيضاً بعيدة عن أعين المتربصين بك للافتراء عليك، اللهم إذا أرادوا تفسير مكوناتها على أنها شفرات خطرة، قد تسبب خطراً محدقاً بالأمة العربية والإسلامية، وقد تؤدي إلى حرب عالمية وزعزعة في الأمن والسلام الدوليين، وبكل بساطة يمكنهم ذلك.
لماذا أكتب عن اللازنيا اليوم؟ لأنني جائعة، لا، لكنّني أتوق إلى الغذاء الفكري والروحي، حالتي كحال ملايين الشباب العرب حول العالم الطامحين إلى التعبير عن رأيهم وأفكارهم اليوم، لكنهم خائفون من التكفير والتخوين والرصد والمتابعة والتهديد، والطرد من الأسرة، أو من العمل، أو من المجتمع، بحجج قانونية مفبركة.
اسمحوا لنا بصنع اللازنيا الخاصة بنا، كي لا يقدّمها غيركم لنا، ويدسّ فيها لنا جميعاً سمّ الأفكار بالكريمة البيضاء!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

مصلحة البلد

23 أبريل 2020