الأحد 21 رمضان / 26 مايو 2019
05:52 ص بتوقيت الدوحة

من الحياة

اعصِف.. فكر

اعصِف.. فكر
اعصِف.. فكر
حيرتني كثيرا فكرة الحدود التي يجب أن نتوقف عندها كبشر في طفولتي المبكرة جدا، حتى كبرت قليلا وعرفت أنها حدود الله سبحانه وتعالى. لكن ماذا عن حدود التفكير؟ هل التفكير يجب أن يتوقف عند حد ما؟ يقول المنطق إن التفكير يجب أن يتوقف عند حدود الله أيضا، وإن كان الواقع يقول إن الكثيرين يتوقفون عند حدود أقل من ذلك بكثير بمعنى أنهم لا يستغلون حيز التفكير المتاح لهم بل ولا يستمتعون بمباهج الدنيا الحلال المتاحة لهم كما ينبغي، وعدم استغلال حيز التفكير المتاح يؤدي في الكثير من الأحيان إلى خيارات ليست هي الأمثل في كل المجالات. علم هندسة القيمة «Value Engineering» هو العلم الذي يتطرق إلى تحسين قيمة الأشياء وزيادة كفاءتها، ورغم أنه يحمل هذا الاسم ويستعمل غالبا في مجال المشروعات الهندسية فإنه يمكن تطبيقه على كافة مجالات العمل والحياة إذا أحسن فهمه، وجوهر هذا العلم هو تعظيم قيمة المشاريع أو الأشياء عموما بالمعنى الواسع عن طريق تقليل تكاليفها ورفع العائد منها، فإذا طبق على مبنى فالهدف سيكون هو تقليل تكلفة الإنشاء ووقته ورفع مستوى الاستفادة من المبنى بكافة الطرق لرفع العائد منه، وإذا طبق على طعام تعده الأم لأولادها مثلا فالهدف هو تقليل تكلفة المكونات والوقت والجهد اللازمين للطهي ورفع القيمة الغذائية وتحسين الطعم.. وهكذا يمكن تطبيق هذا المبدأ على كل شيء نمر به في حياتنا. تقول مبادئ هندسة القيمة إن أية فكرة قد تقلل التكلفة وترفع القيمة لا يجب استبعادها أبداً مهما بدت غريبة وخارجة على المألوف، بل يجب مناقشتها مناقشة جدية والبحث في مميزاتها وعيوبها ثم قبولها أو رفضها، ويتم التوصل إلى هذه الأفكار خلال جلسات جماعية للفريق المشترك في المشروع وبالتطبيق على كافة المجالات، ففي العمل تتضمن الجلسات فريق العمل أيا كان نوعه، وفي القرارات الأسرية مثل تعليم الأولاد أو اختيار مصيف مناسب مثلا، فالعائلة كلها يجب أن تحضر، تسمى هذه الجلسات جلسات «العصف الذهني Brain storming»، وتمثل أساس علم «هندسة القيمة». أذكر أنني في بدايات الألفية الجديدة، كنت أحضر دورة تدريبية عن هندسة القيمة مع محاضر أميركي من الخبراء في هذا المجال، وأثناء جلسة من جلسات العصف الذهني كنا ندرس مشروعا يقتضي حفر مساحة كبيرة من الأرض مما ينتج كميات كبيرة من ناتج الحفر يجب التخلص منها في مكان بعيد كما تقتضي التشريعات البيئية المتشددة للدولة التي يقع فيها المشروع، وهي دولة من دول العالم المتقدم بالطبع، كنا في هذه الجلسة وأمخاخنا تعمل بسرعة الصاروخ للتوصل إلى أفكار جديدة عندما كتب لي الزميل الذي يجلس بجواري فكرته على طرف ورقة وضحكنا عليها معا فلاحظ المحاضر وسألنا لماذا نضحك؟ فرد زميلي أنه توصل إلى فكرة مضحكة، فسأله المحاضر أن يقولها له فلم يقبل وقال إنها فكرة صعبة التحقيق، ولكن المحاضر أصر على أن يعرفها فقالها زميلي وكانت فكرته للتخلص من ناتج الحفر هي «وضعه في صاروخ وإرساله إلى الفضاء!»، ولدهشتنا فقد أصر المحاضر على كتابتها ضمن قائمة الأفكار التي ستتم مناقشتها، وحين بدأنا في كتابة مميزات الأفكار وعيوبها كان العيب الرئيسي هو: «ضرورة الاستعانة بوكالة ناسا للفضاء لوضع ناتج الحفر على الصاروخ واحتياج هذه الفكرة إلى تكاليف مادية عالية وتصاريح أمنية مما يمثل كثيرا من التعقيد ويرفع تكاليف المشروع المادية والمعنوية»، هكذا تتم مناقشة كل الأفكار خلال جلسات العصف الذهني.. ورغم أن هذا المثال يبدو متطرفا فإنه بالفعل لا يجب رفض أية فكرة خلال تلك الجلسات إلا بعد مناقشة مميزاتها وعيوبها بجدية وإلا فقد يتم رفض الكثير من الأفكار المنتجة من دون دراسة كافية وهذا يؤدي في النهاية للوصول إلى خيار قد لا يكون هو الأمثل. ساهمت جلسة العصف الذهني هذه بالإضافة إلى أشياء أخرى كثيرة في زيادة مساحة تقبلي للأفكار الجديدة في العمل والحياة عموما، حتى ولو كانت غير تقليدية أو مألوفة ما دامت تتفق مع حدود الله، وما زلت كلما واجهني تحدٍّ في هذا المجال أتذكر وجه المحاضر الأميركي وهو يدور في القاعة ويواجهنا واحدا واحدا ويقول بهدف أن يحمسنا: «اعصف، فكر، فكر خارج الصندوق». نعم، فلنعصف جميعا، ولنفكر خارج صندوق الأفكار المعتادة والرتيبة، فهكذا تقتضي الحياة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الآخرون

19 نوفمبر 2011

عيون زرقاء

12 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (2)

05 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (1)

22 أكتوبر 2011

بين السطور

15 أكتوبر 2011

المقياس

08 أكتوبر 2011