الإثنين 15 ذو القعدة / 06 يوليو 2020
07:22 م بتوقيت الدوحة

بين ساسة التطبيع وصبيانه.. والصهينة أحياناً

بين ساسة التطبيع وصبيانه.. والصهينة أحياناً
بين ساسة التطبيع وصبيانه.. والصهينة أحياناً
بين حين وآخر، تخرج أنباء من هنا وهناك تتحدث عن لقاءات تطبيعية عربية من العيار الثقيل، ثم يتم تداولها لأيام، قبل أن يُصار إلى نفيها (أحياناً)، والتأكيد على المواقف التقليدية من قضية الشعب الفلسطيني.
هناك كثيرون لا يعرفون منطق الصحافة الصهيونية، ويظنون أن نقل روايتها يمثّل وقوعاً في الفخ، فيما الحقيقة أنها صحافة لها تقاليدها في مجتمع مشرذم لا يضبط إيقاعه سوى الديمقراطية ذات التمثيل الحقيقي العادل، والقضاء المستقل، والصحافة الحرة.
أن تعرف عدوك معرفة حقيقية شيء، وأن تروّج عنه الأكاذيب شيء آخر، فالمعرفة الحقيقية هي التي تمنحك فرصة التعامل الصائب معه. ولنا أن نشير هنا إلى أن العناصر الثلاثة سالفة الذكر، لا تنفي مثلاً أنه مجتمع يعيش طوراً من التراجع الواضح على صعيد القيم، وعلى صعيد البطولة والتضحية، وما قصص فساد سياسييه، وتهرّب أبنائه من الخدمة العسكرية، وتدهور منظومة القيم سوى دلائل واضحة على ذلك.
هذا فاصل عابر بين يدي الموضوع الذي نحن بصدده، ذلك أن نقل روايات الصحافة الصهيونية ليست خاطئة دائماً (يحتاج الأمر إلى تدبّر، وفيه تفصيل)، فهي تنقل ما يصلها من معلومات، وتنسبها إلى مصادر حقيقية ولا تؤلفها.
وحين يتحدث نتنياهو عن شأن متعلّق بالتطبيع العربي وتنقله الصحافة الصهيونية، فلا يعني ذلك أنها تتبنى روايته، بل إن كثيراً من تحليلاتها طالما تحدثت عن استخدامه هذا الملف لأغراض انتخابية، لا سيما أنه ملف مهم بالنسبة لمجتمع يشعر أنه يعيش وسط بحر من العداء العربي والإسلامي، ويحتاج إلى ما يبشّره بالانفراج، والخروج من دائرة الخوف.
نتنياهو بدوره قد يكذب أو يبالغ أحياناً كنوع من الدعاية الانتخابية، وقد يصدق بالفعل، أو نسبياً، كأن يتحدث عن اتصالات ما بشأن لقاء فردي أو جماعي مع قادة أو سياسيين عرب؛ يتسرّع بكشفه، ثم لا يتم.
لا ننسى بالطبع أن كثيراً من معالم التطبيع العربي قد شاهدناها أمام أعيننا، ولا تحتاج إلى تسريبات أو أخبار، تماماً كحال مواقف إيجابية من «صفقة القرن»، لأن بعض النفي مع إعادة التأكيد على المواقف التقليدية لا يبدو مريحاً بالضرورة، لأن استمرار الحديث عن مواقف جديدة، لا يلبث أن يدخل في باب تطبيع الناس على إمكانية حدوثها.
لعل أكثر ما يخيف في هذه اللعبة البائسة هو ذلك البعد المتمثّل في منظومة التعامل الإعلامي مع القضية الفلسطينية، ومن ضمنها قضية التطبيع، ذلك أن إطلاق يد الإعلام بمنظومة الأخبار والتحليل والرأي في معرض التبشير بالتسويات والتطبيع، فضلاً عن هجاء الشعب الفلسطيني، لا يمكن أن يتم من دون ضوءٍ أخضر رسمي، وحين تُضاف مسلسلات فاضحة على هذا الصعيد (كحال «أم هارون»، و»مخرج 7»)، تتجاوز التطبيع إلى محاولات تشويه الوعي، فسيكون المشهد أكثر وضوحاً، لا سيما أننا نتحدث عن دول لا تعرف حرية التعبير. ولو كانت كذلك، لصمتنا لأن مواقف المجتمعات الحاسمة من قضية الأمة هي التي كانت ستتكفل بإسكات الأصوات الشاذة التي قد نضيف إليها أبواق مواقع التواصل، بل يجب أن نضيفها في واقع الحال.
في هذا السياق، يبرز قدر كبير من الجهل الفاضح، إذ تستخدم المنظومة إياها أرباع مثقفين يروّجون لنظريات سخيفة، مثل إضاعة الفلسطينيين للفرصة تلو الفرصة، فيما الحقيقة أن شيئاً ذا قيمة لم يُعرض عليهم يوماً، فلا قبل الصهاينة بمشروع التقسيم، ولا بقرار 242، ولا بالمبادرة العربية؛ حتى بعد تعديلها، ولا بمشاريع كثيرة أخرى. ولا تسأل بعد ذلك عن قصص ساقطة، مثل الحديث عن بيع الفلسطينيين أراضيهم لليهود.
ما يجب أن يُقال في الختام هو أن بوسع الجماهير التفريق بين المواقف الحقيقية، وبين المواقف المعلنة، هي التي تدرك أن الإعلام في المنظومات الشمولية أو شبه الشمولية هو أكثر ما يكشف حقيقة المواقف، بعيداً عن الحسابات إياها. كما أن الجماهير الواعية لن تتشكك في حقيقة مواقف شعوب الأمة من قضيتها المركزية، حتى لو لم يكن بوسع بعضها التعبير عن ذلك بسهولة، في ظل منظومات الخوف السائدة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.