الأربعاء 11 شوال / 03 يونيو 2020
10:05 م بتوقيت الدوحة

نظام عالمي جديد أم ما بعد الحضارة الغربية؟

الجمعة، 10 أبريل 2020
نظام عالمي جديد أم ما بعد الحضارة الغربية؟
نظام عالمي جديد أم ما بعد الحضارة الغربية؟
يبدو أن جائحة كورونا قد خلقت وثبة حيوية في الفكر، ترجّح نهاية العولمة الاقتصادية والنموذج النيوليبرالي بكل مظاهر الهيمنة التي تحدد ملامح وجوده، والأمر في اعتقادنا ليس بهذه القدرية المتفائلة، هل يمكن الحديث هنا عن نشوء اقتصاد عالمي جديد؟ ربما لا يخرج عن نطاق تجديد الفكر الليبرالي وتجاوز أزماته الاقتصادية، كما عودتنا دائماً الليبرالية وقدرتها على تجاوز أزماتها، هل يمكن أن نفصل ما بين العولمة في بعدها الاقتصادي، والعالمية في بعدها الإنساني؟ أي كونية القيم الحضارية الغربية «الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان»
إن أهم ما يمكن أن نستنتجه من أزمة جائحة كورونا، كدرجة أولى من التحولات الجيو-سياسية هو تفكك الكيانات الاقتصادية التقليدية وبروز الكيانات الثقافية، بمعنى أن العولمة بوصفها تعميماً لنموذج اقتصادي وحضاري، دون أن نبخس التمييز الممكن بين الثقافي والحضاري، تتجه نحو فقدان مقومات الهيمنة التي كانت تمارس جاذبية قيمية إنسانية، إن عدم المساواة وازدواجية المعايير والاستعلاء الحضاري الغربي، سيؤدي لا محالة إلى تفكك هذه القيم الحضارية من الداخل، بفقدان مصداقيتها العملية، وقدرتها على إقناع الضمير الجمعي من جهة، وتراجع هيمنتها على منظومة القيم الإنسانية خارجياً، مما يعني عودة الأيديولوجيات وتراجع الأيديولوجيا الليبرالية المهيمنة نحو تعدد ثقافي، أي الاتجاه نحو التعدد الحضاري للكيانات الثقافية، هذه العودة ليست تمركزاً حضارياً لثقافات معينة، بقدر ما هي انبثاق عقائد حضارية جديدة، أي الانتقال من الهيمنة الحضارية بالمعنى المادي، إلى الثقافة كمعطى أكثر روحانية مرتبطة بالمعنى «الهيمنة الروحية «، إن الأزمة الحالية أثبتت بالملموس تآكل الحضارة الغربية والحاجة إلى استعادة الروحانية، وهو ما يعني مساءلة الحداثة وما بعد الحداثة لذاتيتها المتعالية، بإمكانية استيعاب التعدد الثقافي، وتوسيع الفهم الإدراكي للثقافات، إن تجاوز مفهوم تجانس الهيمنات القديمة والحديثة أي عدم المساواة والهيمنة الأحادية كما حددها جاك دريدا، ليست كافية لفهم الشرطية الحضارية لمفهوم الهيمنة الروحانية، كما أن فكرة صامويل هنتنجتون التي تختزل الثقافي في بعده الديني، وتعتبر أن الدين هو القوة المركزية القادرة على تحريك وتعبئة الشعوب، بمعنى أن الانتماء الديني يستوعب كل الانتماءات الممكنة، إن رد الفعل الأخلاقي داخل المجتمعات الغربية تجاه أميركا كمكفّر عن ذنوب البشرية، والتي ستحاول جلّ الشعوب الأوروبية، المثقلة بماضي استعماري، أن تستعيد عذريتها على حساب أميركا، ونزعة الخلاص التي ستهيمن على العقل الغربي عموماً، لن تغني عن إعادة التفكير في قيم سلام عالمي جديدة، مبنية على أفق فهم جديد للإنسان والعالم خارج المركزية الحضارية للغرب.
إن التحالف الذي يمكن أن يجمع الصين الكونفشيوسية، وروسيا المفعمة بنزعتها الأرثوذكسية الجديدة، وتركيا التي تحيي إرث الخلافة الإسلامية، وإيران بحمولتها الفارسية والشيعية، ليست تكتلاً عسكرياً يواجه الغطرسة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ولا رد فعل ضد العولمة الاقتصادية وحسب، وربما تجاوزاً ليس عودة للإمبراطوريات القديمة، إنها في اعتقادنا ردة فعل ضد الهيمنة الحضارية ذات البعد الواحد «حضارة كونية»، ودعوة مبطنة إلى تجاوز النموذج الكوني للقيم، بمفهوم تلاقي الثقافات،
سيستعيد العالم روحانيته بقيم التضامن والتراحم والمحبة، حينما يتجاوز القيم البراجماتية، فالمستقبل متوجه نحو روحانية عالمية، والانفتاح المتاح للحضارة الغربية نحو الثقافات الشرقية المفعمة بالروحانية، كفيل بإقامة مصالحة بين قيم الحداثة المادية بروحانية العالم، كقراءة جديدة للحضارة الغربية لإزالة أسباب أفولها، والتاريخ شاهد على هذه الالتقائية الحضارية بين الغرب والشرق من خلال الحضارة الهيلينية التي أنتجت تراثاً روحياً متجذراً في تاريخ الإنسانية، ليس أمامنا من خيار سوى إعادة بناء تعاقد عالمي جديد يتجه نحو تغيير اشتراطات الهيمنة، بدل النظام العالمي الجديد المرتكز على الهيمنة الاقتصادية العسكرية، نحن مجبرون أن نغير منطق الهيمنة المستندة إلى القوة، بمنطق هيمنة مرتكزة على التعايش والتكافل والتضامن الدولي، بناء نظام عادل للتبادل في كل أبعاده المحددة للوجود الإنساني «المعرفية، الثقافية/الروحية، البيئية».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.