الأحد 15 شوال / 07 يونيو 2020
11:08 ص بتوقيت الدوحة

تداعيات «كورونا»: ما بعد العولمة أم نهاية الليبرالية والتاريخ الجديد؟

تداعيات «كورونا»: ما بعد العولمة أم نهاية الليبرالية والتاريخ الجديد؟
تداعيات «كورونا»: ما بعد العولمة أم نهاية الليبرالية والتاريخ الجديد؟
إن هذه الأزمة ستشهد تحولاً جيو - سياسياً عميقاً، سيعيدنا إلى أطروحة سبينغلر «Oswald Spengler» المبشرة بأزمة المركزية الأوروبية وأفول الحضارة الغربية، ليس كقوة تَهْدِيديّة عسكرياً أو اقتصادياً، بل كصورة تسويقية للقيم الإنسانية، قيم الحداثة، والديمقراطية، وحقوق الإنسان.
لقد عرّت الأزمة عورة هذه الأيديولوجية، وأبانت عن حقيقتها التي عبّر عنها «باسكال بروكنر» ببؤس الرفاهية وديانة السوق، التي قد تحدد معنى الإنسانية والإنسان فيما قد يصلح كقوة احتياطية، ولا تتوانى عن التضحية بالكائنات غير المنتجة.
إن ما أثارني شخصياً وحطم كل صور التبشير الأنواري الذي حط من شأن الحضارة الغربية، ليس التَهْدِيديَّة التي تمارسها الرأسمالية العالمية للعالم ضمن ما أسماه «أولريش بيك» بمجتمع المخاطر، ولا ثورات الجينوم والحرب البيولوجية التي ترسم ملامح حروب المستقبل؛ إن ما آلمني حقاً هو أفول الإنسانية على حد تعبير «كوت بينتوس»، وهْم القيم الكونية، وتحطّم تمثال الحرية. أن تصبح الإنسانية مختزلة في صورة مناعة القطيع، كما عبّرت عنها المستشارة الألمانية، وأن تتم التضحية بالشيوخ والعجزة كقربان لسياسات الموازنات العامة والحوكمة. كل هذا يعيدنا إلى تفاهة الشر الذي وصفت به «حنى أرندت»(Hannah Arendt) محاكمات النازية، فهذا الشر الذي أبانت عنه الأيديولوجية النيولبيرالية أكثر فتكاً؛ لأنه لا يستهدف مجرد البشر، إنه شر ضد كل شيء ومن أجل لا شيء، جَازَ لي أن أقول عكس «أرندت» إنه شر مطلق، متعيّن في نمط الإنسانية المأزومة. إننا في حاجة إلى أن تتعافي البشرية والطبيعة من هذا الشر، بمناعة من كل العقائد الفاسدة، وكل الأيديولوجيات الشمولية مهما ادعت من براءة وإنسانية. إن الدعوة إلى استبدال قيادة العالم من الهيمنة الغربية إلى الهيمنة الصينية، هو استبدال شر معلوم بشر مجهول ليس إلا. لسنا بحاجة إلى هيمنة أي قوة، ما نحن بحاجة إليه كشعوب، هو بناء كونية إيتيقية «Éthique»، بدل الكونية الأيديولوجية التي أعلنت نهاية التاريخ بانتصار الليبرالية.
إن الأزمة الحالية تعلن عن نهاية الليبرالية وبداية تاريخ جديد، بقيم سلام عالمي تتجسد فيه إرادة الشعوب حقيقة، من خلال نبذ التعارض بين الكونية والخصوصية؛ لأن هذا التعارض مجرد وهم أيديولوجي بين راديكاليين يخضعون معادلة العلاقة بين الكونية والخصوصية للحتمية «الهيجيلية» (عبد /سيد)، إن الكونية مجرد أفق للخصوصية، حيث بداية جديدة لتاريخ إنسان الهوية المركبة. بتجاوز العولمة كأيديولوجية للكونية، مبنية على مفهوم الهيمنة، من أجل كونية «إيتيقية» مبنية على مبدأ كلية الإنسان ووجوده النوعي.
يبدو لي أنه لم تعد هناك حاجة للهيمنة في كل أشكالها وتلويناتها، إننا لسنا في حاجة إلى الكونية الأيديولوجية (العولمة) التي تُسَيِّد العقل الأداتي (المصلحة)، من أجل فرض هيمنة على جميع الأصعدة قانونية، واقتصادية، وثقافية، وسياسية، وأخلاقية؛ وتقدم نفسها كمنظومة قيم متعالية تنبئ بأزمة تواصل وتبشر بالصدام، مما يقحمنا ضمن معادلة حضارية: «بقدر ما تشتد أساليب الهيمنة بقدر ما تشتد مقاومة الخصوصيات ومبررات انغلاقها»، وهذا ما يبرر حتمية الصدام بين الأصوليات كما بشر به «صامويل هانتنغتن». إن الكونية الأيديولوجية (الكوسموبوليتانية) تبحث عن التناقضات بدل البحث عن التجانس، أي بالبحث عن أوجه الاختلاف وما يفرق بين الثقافات، بدل البحث عن أوجه الالتقاء والبحث في إمكانية التواصل والتعارف، تحقيقاً لقوله عز وجل: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.