الخميس 25 ذو القعدة / 16 يوليو 2020
07:42 ص بتوقيت الدوحة

ثورة السودان تستحق منّا أداء أفضل

ثورة السودان تستحق منّا أداء أفضل
ثورة السودان تستحق منّا أداء أفضل
كنّا موعودين بمؤتمر اقتصادي شامل ينطلق الأسبوع الماضي في الخرطوم، ليحسم الخلاف حول الميزانية العامة للسودان للعام 2020، بين وزير المالية وحركة الحرية والتغيير الحاضنة السياسية لحكومة الثورة في السودان، الخلاف حول الميزانية تمركز حول الأسس التي قامت عليها الميزانية، إذ بنى وزير المالية ميزانيته على رفع الدعم السلعي مع تعويم الجنيه السوداني، بينما رأت الحرية والتغيير أن هذا المنهج يضع كامل المعاناة على عاتق المواطن المغلوب على أمره، وهو أمر لا طاقة لأفراد الشعب به.
الواقع يقول إن وزير المالية ميّال -عن قناعة- للمشروع الذي تتبناه مؤسسات التمويل الدولية لمعالجة أوضاع الدول الفقيرة، وهو مشروع ترفضه كل القوى الراديكالية في العالم الثالث، باعتباره يكرّس المظالم التاريخية التي أنتجت الفقر المدقع والتخلف في دول العالم الثالث، وأنه يلقي بتلك الشعوب فريسة لقوى السوق المتوحشة التي لا ترحم، وهو منهاج جرّبه النظام السابق في السودان، فازدادت الأزمة الاقتصادية سوءاً.
المهم أن اجتماعاً مشتركاً انعقد بين الحكومة ممثلة في رئيس الوزراء ووزير المالية مع حركة الحرية والتغيير ممثلة في خبرائها الاقتصاديين وقادتها، ودافع كل فريق عن وجهة نظره وتمسك بها، وفي حركة «هروب إلى الأمام» انتهى الاجتماع بقرار يقضي بعقد مؤتمر اقتصادي شامل يدعى إليه اقتصاديون وناشطون نهاية مارس الماضي لحسم هذا الصراع، مع تجميد أوضاع الميزانية وإذا أقرّها المؤتمر المقترح بدأ تطبيقها أول أبريل، بزيادة سعر جالون البنزين وبيعه بالسعر التجاري، على أن يلحق به في سبتمبر المقبل «الجازولين» إذ يُرفع عنه الدعم آنذاك وفي الوقت نفسه تنفذ زيادة مرتبات عمال وموظفي المرافق الحكومية من أول أبريل.
خبراء الحرية والتغيير عارضوا كل ذلك، وسيكررون معارضتهم في المؤتمر ويؤملون في أن تنتصر وجهة نظرهم في ذلك المؤتمر، ويوقف تنفيذ الميزانية بشكلها الحالي، ويفرضون إعادة النظر في أمرها، كل الدلائل -إذن- تشير إلى أن المؤتمر إذا عقد في موعده لما وصل إلى حل وسط، لأن كل فريق متمسك بموقفه، ولم تبذل أي مجهودات خلال الأسابيع الماضية لتقريب وجهات النظر أو الوصول لحل توفيقي، ولكن جائحة كورونا التي أصابت كل أنواع الحراك الدولي بالشلل، وضعت حداً لمشروع المؤتمر الاقتصادي، وفرضت تأجيله إلى أجل غير مسمى، بعد أن كان محدداً له يوم 28 مارس الماضي، أي قبل أسبوع من اليوم.
الخلاف أساساً بين مدرستين فكريتين في دنيا الاقتصاد، إحداهما تريد انسحاب الدولة تماماً من الساحة الاقتصادية وتحرير النظام الاقتصادي ووضعه في يد القطاع الخاص دون قيود، كجزء من مشروع العولمة والخصخصة والتحرير، وبين مدرسة أخرى ترى أنه لا بد من دور للدولة في عالم الاقتصاد، بحيث تحمي القوى الضعيفة من قوى السوق المتوحشة وكل مؤسسات المال العالمية تقف بالطبع مع الرأي الأول، وتعتبر إعادة هيكلة اقتصادات الدول النامية لتسير في هذا الاتجاه هي الطريق الوحيد للخروج من أزماتها، رغم أن العديد من التجارب العالمية أثبتت فشل كثير من تلك التجارب، وقد ترتب على ذلك أن كثيراً من الاقتصاديين بدأ يطرح أطروحات تحاول أن تخرج بحلول وسطى، لكن ما زال الصراع بين الطرفين الأساسيين محتدماً.
من الناحية الواقعية، فإن التطورات في السودان التي جمدت الميزانية أدت فيما يبدو إلى تجميد نشاط وزارة المالية، فظلت منذ مطلع العام تلعب دور المتفرج في الساحة الاقتصادية، بينما الجنيه السوداني يوالي هبوطه غير الناعم، والتضخم تتزايد معدلاته كل صباح، والمواطن المغلوب على أمره يواجه معاناة تتصاعد من يوم ليوم، وجاءت جائحة كورونا لتزيد معاناته سوءاً بالعطالة وانسداد أفق العمل.
والآن بعد أن ثبت أن «التجميد» ألحق ضرراً بالغاً بالمواطنين، وأن الهروب للأمام لن يجدي فتيلاً، بات من المهم أن يحسم رئيس الوزراء هذا الخلاف بقرار يصل إليه عبر مناقشات مكثفة مع الأطراف كافة، متحملاً مسؤوليته نحو حماية المواطنين، باتخاذ القرار الذي يخدم هذه الغاية، وأن يعاد النظر في الميزانية ضمن مشروع معالجة الأزمة الاقتصادية الراهنة، والخروج من نفق تأجيل المعالجات، لأن التأجيل لا يزيد الأمور إلا تعقيداً.
أولئك الذين أنجزوا هذه الثورة المجيدة يستحقون معاملة أفضل ورعاية لحقوقهم أكثر عدلاً!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.