الأربعاء 11 شوال / 03 يونيو 2020
03:32 م بتوقيت الدوحة

استشاري الطب النفسي يؤكد الحاجة إلى مبادرات توجيهية تركز على المصير المشترك

د. خالد عبدالجبار لـ «العرب»: أزمة كورونا «معركة وعي».. وأكبر خطر أن نواجهها بصيغة «نحن وأنتم»

أمير سالم

الإثنين، 30 مارس 2020
د. خالد عبدالجبار لـ «العرب»: أزمة كورونا «معركة وعي».. وأكبر خطر أن نواجهها بصيغة «نحن وأنتم»
د. خالد عبدالجبار لـ «العرب»: أزمة كورونا «معركة وعي».. وأكبر خطر أن نواجهها بصيغة «نحن وأنتم»
أكد الدكتور خالد أحمد عبدالجبار استشاري الطب النفسي واختصاصي العلاج المعرفي السلوكي والإدمان، ضرورة التمسك بمجموعة من الأسس المهمة في التعاطي مع أزمة فيروس كورونا «كوفيد - 19» الذي يجتاح العالم حالياً. وقال في حوار مع «العرب?» إن التعامل مع هذه الأزمة يستلزم إيجاد مجموعة من الفنيات المجتمعية، وفي مقدمتها خلق هوية مشتركة، وتبني المبادرات التوجيهية المعتمدة بالأساس على غرس الأمل في نفوس الجميع من المواطنين والمقيمين، لافتاً إلى أن التركيز على المصير المشترك، يحفز الأفراد على تحمل المسؤولية والمبادرة ومساعدة بعضهم، وجعل أدائهم متناغماً لتجاوز الأزمة.
أكد الدكتور خالد أحمد عبدالجبار ضرورة تشجيع مبادرات متوازية، تشمل الجانب الروحاني والاجتماعي والنفسي والصحي، لافتاً إلى أن أزمة كورونا بمثابة معركة وعي، زمامها الجدية والانخراط التام في الدور المنوط بكل فرد خلال الأزمة، وما يتحتم عليه الاستفادة من دروسها مستقبلاً.

في البداية، لماذا كل هذا الخوف من كورونا؟ وهل يعتبر بالفعل أزمة عالمية؟
بالفعل للخوف ما يبرره، لأنه مرتبط بحياة الناس، خاصة أن الفيروس ينتشر بسرعة في أنحاء العالم كافة، وجائحة فيروس كورونا المستجد كانت قد ظهرت للمرة الأولى في منتصف ديسمبر 2019 في مدينة ووهان الصينية، حيث حددت في مجموعة من الأشخاص المصابين بالتهاب رئوي «ذات الرئة» مجهول السبب، وارتبطت أساساً بالأفراد الذين يعملون في سوق هوانان للمأكولات البحرية، ويُعد فيروس كورونا المستجد السابع من سلالة كورونا الذي يصيب البشر، والثالث الذي يسبب أمراضاً خطيرة، بعد كل من متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد «سارس»، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية «ميرس»، والذي ظهر في عام 2012.

وما دور الالتزام في التعامل مع الأزمة؟
هو رديف التقبل، وهو المتمم له، فأي تقبل بلا التزام تهاون واستهتار، فخرق مبادئ التباعد المجالي مثلاً، خطورة تمس الجميع، كما تبرز أهمية تحمل المسؤولية، من خلال التقيد بما يصدر عن الجهات الرسمية المخولة بإدارة الأزمات، وتحمل المسؤولية في توعية من حولنا، فكلنا راعٍ وكلنا مسؤول عن رعيته.

هل يمكن أن تضع لنا خريطة مبادئ؟ أو ما يمكن وصفها بالفنيات للتعامل مع الأزمات؟
يمكن خلق هوية مجتمعية مشتركة، وتعزيز فكرة المصير المشترك من خلال استخدام لغة توجيه مجتمعية تحمل صيغة الجمع «نحن، جميعاً»، والبعد عن صيغة «نحن وهم» أو «نحن وأنتم»، والتي تجزئ المجتمع، فكلنا كتلة لا تتجزأ في كل الأحوال، فكيف بنا في الأزمات؟!
كما يجب البعد عن استخدام جمل الوجوب القلقة، فبدلاً من صيغة «ينبغي عليك»، نستخدم «ينبغي لنا»، فهذا التحول الطفيف يحولها من «أهداف اضطرارية» إلى «أهداف إرادية»، فتعطي تغييراً جذرياً في الاستجابات، بإذن الله، وهذا مثلاً فيما يخص صياغة جمل التوجيه والإرشاد حول مواضيع تتعلق بنظافة اليد والتباعد المجالي.
- استخدام لفظ التباعد المجالي بدلاً من «التباعد الاجتماعي»، وهذا لتعزيز فكرة أن التباعد المجالي مرتبط بالمسافات، في حين أن الترابط الاجتماعي والدعم الاجتماعي يبقى ويقوى رغم بُعد المسافات.

في مثل هذه النوعية من الأزمات ينتاب البعض الخوف من التعاون، ويفضل العمل ذاتياً خوفاً من الإصابة بالفيروس، ما رأيك؟
يجب البعد عن اللغة الذاتية، والتي إن جرى تعميقها خلال أي أزمة، بتحديد أن الخطر يرتبط بعمر أو جنس أو جنسية أو قومية أو فئة عمالية أو فصيلة دم وغيرها، فإنها تشكل ضغوطاً نفسية على الفئات المذكورة، ويقلل مسؤولية المتحدث ومن يستمع له تجاههم، ناهيك عما قد يؤدي إليه من ازدراء فئة أو مجموعة ووصمها بما لا ينبغي، ويجب غرس فكرة مفادها «أن مرض أو خسارة أحدنا، هي خسارة للجميع» إلى جانب غرس الأمل في نفوسنا، ونفوس من حولنا، لأن المصير المشترك هو ما يحفز قابلية الأفراد لتحمل المسؤولية والمبادرة ومساعدة بعضهم البعض، ويجعل أداءهم متناغماً لتجاوز الأزمة.

كيف يمكن خلق نسق مجتمعي يدعم الجهود المبذولة حالياً لتفادي الأزمة؟
أولاً التعريف بالمرض، واستقاء المعلومات من وزارة الصحة العامة، والتقليل من ملاحقة آخر المستجدات المحلية والدولية من وسائل التواصل المختلفة وغير الدقيقة، أو تلك القائمة على الأخبار العاجلة، والتي تؤثر على استقرار الفرد وتزيد من قلقه وتوتره، والبعد عن تبني المعلومات الخاطئة والشائعات التي تهول أو تهون من المرض وآثاره.

ماذا إذن عن المبادرات التي يمكن وصفها بالفاعلة في التعامل مع «كورونا»؟
ينبغي للجهات المسؤولة أن تعمل على إبراز الأدوار المطلوبة من كل فرد أو مؤسسة في الأزمة الحالية، فهناك من يريد تقديم المساعدة منفرداً أو ضمن مجموعة من منطلق تخصصه مثلاً، إلا أنه يجهل كيف يبادر أو ينسق ويتناغم مع غيره لتحقيق هدفه، كما يجب إبراز ما قدمه أي فرد أو قدمته جهة أو مجموعة من مبادرات، لتحفيز الآخرين على السير على نهجهم، ويمكن السماح لمن خاضوا تجربة العلاج أو الحجر، أن يقدموا رسائل مجتمعية مدروسة تهون على بقية المأزومين، تزامناً مع تبني المبادرات وتوجيهها إلى الجهات وفق موضوعية المبادرة، فضلاً عن ضرورة التنسيق بين نقاط القوة الموجودة لدى الأفراد، وإذابتها في برامج مجتمعية للحد من الآثار السلبية للأزمة، إلى جانب تشجيع مبادرات متوازية تشمل الجانب الروحاني والاجتماعي والنفسي والصحي.

ماذا عن الجهود المبذولة حالياً لمواجهة الفيروس؟
برزت مجهودات لا يمكن الاستهانة بأدائها ودورها الحالي، ونذكر منها الكوادر الطبية والجهات الأمنية وفرق الدعم النفسي والاجتماعي، وموظفي نظم المعلومات، وخدمات البلدية والبيئة.

هل أصبحت أزمة كورونا بمثابة معركة للوعي بأهمية التعامل مع الأزمات؟
هي معركة وعي، زمامها الجدية والانخراط التام في الدور المنوط بكل فرد خلال الأزمة، وما يتحتم عليه الاستفادة من دروسها مستقبلاً، معركة وعي نحو فكرة الكل المجتمعي والشمل الواحد، وترك ما يؤزم الحاضر من نشر الشائعات وعدم التقيد بالتعليمات، وأخيراً وعي بأهمية العلم والمعرفة والبحث والمشاركة الفعالة في بناء الانسان والحضارة.

كيف إذن يمكن معالجة الخوف الجماعي الذي نلمسه حالياً من الفيروس؟
الخوف والمشاعر السلبية المتزنة أمر لا مفر منه في مثل هذه الأزمات، بل هو سلاح أوجده الله فينا لحمايتنا وبقائنا على قيد الحياة، لأننا من خلاله لن نركن ونتهاون، وإنما سوف نعمل بما يحافظ على هذا الوجود، أما لو تجاوز هذا الخوف والقلق مداه، تحول إلى هلع معطل، وفزع جاثم على صدورنا، فسوف يشل حركتنا، ونكون كمن أغوته أفكاره السلبية بحتمية الموت فيتقاعس عن أداء دوره وتحمل مسؤوليته.

مناقشة مخاوف الأطفال وكيفية
التعبير عن مشاعرهم
رداً على سؤال حول كيفية التعامل مع الأطفال وتوعيتهم بأزمة «كورونا»، قال الدكتور خالد أحمد عبدالجبار استشاري الطب النفسي واختصاصي العلاج المعرفي السلوكي والإدمان، يمكن تعليم الأطفال كيفية التعبير عن مشاعرهم ومناقشة مخاوفهم والتخفيف عليهم، إلى جانب وضع جدول أنشطة أسبوعي، يتضمن عاداتهم اليومية -إن كانت صحية من قبل- وإضافة أنشطة ملزمة مثل التعليم عن بُعد وتعلم مهارات جديدة وحفظ القرآن والقراءة وممارسة الرياضية الذهنية والجسدية، لافتاً إلى ضرورة أن نتذكر القاعدة الذهبية، وهي أن «الأطفال يتعلمون من فعلك أكثر من قولك، فقط افعل الصواب أمامهم وسيفعلون مثلك». وينبغي لنا أن نجعل أوقاتنا معهم تعليمية وقيّمة، بالمشاركة والمبادرة والحوار الفعّال.

تثقيف الأسر يساهم في إدارة الأزمة
وفيما يتعلق بإمكانية أن تساهم الأسر في إدارة أزمة «كورونا»، قال الدكتور خالد أحمد عبدالجبار، بالفعل عبر تثقيف أفراد الأسرة حول كورونا وطرق انتشاره من المصادر المعتمدة، والحرص على البقاء في المنزل والصلاة فيه لتحقيق التباعد المجالي المطلوب، لافتاً إلى إمكانية تدريب الأسر على طريقة التعقيم والنظافة الشخصية وخاصة نظافة اليد، وتجميل الجو الأسري بما يضيف الاسترخاء والتسلية والتعلم، واستحضار المعاني المرتبطة بإشاعة الأمل في نفوس أفراد الأسرة، واغتنام توهج الجانب الإيماني الذي أشعلته الأزمة، إلى جانب اعتماد طرق تأقلم وتكيف تزيل التوتر والخوف، إلى جانب تعلم طرق الاسترخاء وتدريب أفراد الأسرة عليها، والحذر من توجيه الأطفال باتباع إرشادات التعقيم وغسل اليدين بعنف أو صراخ أو غضب، أو استخدام كلمات تخلق الفزع في نفوسهم، فلا تتوقع أن تلك النصائح والتحذيرات قد يفهمونها كما نفهمها نحن البالغين.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.