الجمعة 16 شعبان / 10 أبريل 2020
08:53 ص بتوقيت الدوحة

تأملات كورونية

تأملات كورونية
تأملات كورونية
عندما أُعلن عن أول إصابة بفيروس كورونا لم يلتفت أحد للخبر، كنا نعتقد أن الأمر لا يعنينا، وبعد أن تزايدت الأعداد في الصين، وبدأت تصلنا أخبار الوفيات، قال البعض هذا عقاب بسبب ممارسات السلطات الصينية ضد مسلمي الإيجور، وقال البعض الآخر هذا بسبب أكلهم الضفادع والأفاعي، والبعض طرح نظرية المؤامرة، والحرب البيولوجية، ولم يكن أحد يتوقع أنه سيكون في بؤرة الوباء خلال أسابيع، وأن العالم كله سيستنفر جيوشه، ويعلن حالة الطوارئ القصوى، وكأننا في حرب كونية، ما الذي حدث؟ إنه حدث غير مسبوق في تاريخ البشرية، لأول مرة يعيش العالم كله في حجر صحي كبير، ويهجر البشر دور العبادة، ومؤسسات التعليم، والأسواق، والمصانع، والمسارح، والسينمات، والملاعب، بل يهجرون أحباءهم وذويهم، وكأننا نعيش مشهد اليوم الأخير.
يا الله... هل يعقل بعد كل هذا التطوّر العلمي والتكنولوجي والوفرة الاقتصادية والرفاهية أن يكون العالم هشاً لهذه الدرجة غير المسبوقة في التاريخ؟ لقد شاهدت قبل قليل مؤتمراً صحافياً لرئيس أقوى دولة في العالم، يرافقه نائبه ووزراء الصحة والدفاع وغيرهم، كان الرئيس ترمب يتحدث عن فيروس كورونا مطمئناً الشعب ويقول: «سننتصر»!، وفي أسفل الشاشة كانت أرقام الإصابات والوفيات في أميركا في تصاعد، في الوقت الذي تختفي معظم السلع التموينية من مراكز البيع المشهورة.
المؤتمر الصحافي الثاني كان لرئيس وزراء بريطانيا العظمى بوريس جونسون، بدا فيه مرتبكاً بعد تصريح كبير خبراء مكافحة كورونا في الصين الذي قال: «إن النظام الذي تتبعه بريطانيا في مكافحة الفيروس، نظام «مناعة القطيع» لن يحتوي تفشي الوباء العالمي، بل سيزيد الأمر صعوبة»، وعلى إثر ذلك تراجع جونسون عن تنفيذ خطته المسماة «مناعة القطيع»، وبدأ يتحدث عن خطة أخرى ترتكز على تقييد حركة المواطنين، وإيقاف المدارس، مستلهماً الإجراءات الصينية.
لنسأل أنفسنا كأفراد وكمجتمعات وكأنظمة وحكومات ما الدروس المستقاة من جائحة فيروس كورونا؟
نحن بحاجة لإعادة تقييم نظرتنا للعالم من حولنا، تعلّمنا من فيروس كورونا أن العلم ليس للحصول على شهادة ووظيفة، أو للوجاهة الاجتماعية، العلم قد يكون حداً فاصلاً بين الحياة والموت، لذلك نحن نشاهد سباق المختبرات العلمية في العالم المتقدم للوصول إلى لقاح ناجع لهذا المرض، علّمتنا هذه الأزمة معنى الأخوة الإنسانية، وصححت نظرتنا للآخر، من حيث إننا نتألم ونقلق، ونحن نرى ارتفاع عدد الإصابات والوفيات في العالم بغض النظر عن الدين أو العرق أو المذهب، كما ننتظر إعلان أي دولة عن الوصول إلى مصل مضاد، أو لقاح يشفي من المرض، حتى نتمكن من الحصول عليه، بغض النظر عن سياستها وأيديولوجيتها.
لا يمكننا أن نحافظ كأفراد على أنفسنا وأسرنا، دون القيام بدورنا تجاه المجتمع الذي نعيش فيه، المسؤولية الاجتماعية ليست عطاء للغير ولا تضحية بلا مقابل، إذا قام الفرد بمسؤوليته تجاه مجتمعه فإنه يضمن سلامة وتماسك البيئة الحاضنة له ولأسرته، وبالتالي علينا كمجتمع أن نشجّع الممارسات الإيجابية، وننبذ السلبية والأنانية، ونقدم الدعم اللازم للأفراد، من خلال مؤسسات المجتمع المدني، وما توفره الدولة من إمكانات.
على الدول والحكومات أن تعيد النظر في برامجها الحكومية، على إثر هذه الأزمة غير المسبوقة، والتي كشفت مواطن القوة والضعف في الأجهزة ذات العلاقة من جهة، وفي الخطط المستقبلية وتوجهات الإنفاق الحكومي من جهة أخرى، هذه الأزمة طرحت جدوى الإنفاق العسكري الهائل وسباق التسلح بين الغرب والشرق، على حساب البحث العلمي، والصحة، والتعليم.
لا شك أن دول العالم المتقدم ستعيد حساباتها بعد هذه الجائحة، وستعمل بكامل طاقتها لدراسة وتحليل وتقييم ما حدث سعياً للاستفادة القصوى من هذا الدرس الاستثنائي المؤلم، وأتمنى كعربي أن نستوعب الدرس، ويكون لنا دور فاعل في المجتمع الإنساني، يتناسب مع ما نمتلك من مقدرات وموارد... إلى اللقاء.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا