السبت 13 ذو القعدة / 04 يوليو 2020
06:50 م بتوقيت الدوحة

الشفافية في زمن «الكورونا»

الشفافية في زمن «الكورونا»
الشفافية في زمن «الكورونا»
يكفي نظرة من فوق على خريطة انتشار وباء كورونا المستجد الذي تتسع رقعته بشكل دراماتيكي؛ لتثير في أنفسنا الكثير من الأسئلة التي تؤرق التفكير، يقودها وسواس أنجبه التعامل مع هذا الفيروس المراوغ الذي راح يقفز فوق الجغرافيا، وينتقل من دولة لأخرى، فأغلق المدارس والجامعات، وعلّق السفر، وضرب أسعار الأسهم العالمية، وأوقف دور العبادات والمساجد والحدائق والمولات والنوادي والمطاعم، شركات وصناعات مهددة بالإفلاس الحقيقي، العالم مرتبك تقطّعت أوصاله، ولا يستطيع أن يضبط إيقاعه أمام هذا الكائن الميكروسكوبي!
اليوم لم تعد أية دولة بمعزل عن انتشار هذا الوباء؛ تبرز القضية الأهم هنا، وهي أن العالم بشكل عام بحاجة ماسة لاستراتيجية فاعلة وواضحة للتعامل مع الأوبئة ومع الأمراض المستجدة التي تظهر على البشرية بين حين وآخر، وأقصد هنا ضرورة الشفافية التامة والصدق والوضوح في هذه المعركة.
خبراء الصحّة يقولون إن الاستهتار في التعامل، والمُماطلة في الاعتراف، والإنكار، ونسب الفيروس للمُؤامرات، هو عامل رئيسي في انتشار الوباء. لذا فالحاجة للشفافية والتقيّد بمقاييسها أمر يتعاظم في مراحل الأزمات. ولا يمكن قراءة تصريحات رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون الأخيرة إلا في هذا السياق، عندما خاطب شعبه مصارحة بقوله: «من المؤكد أن هذا المرض سينتشر أكثر في الشهور المقبلة. ليس مثل باقي الأوبئة التي أصابت البشرية. سنقوم بما علينا لمحاربة الوباء، لكن الكثيرين سيموتون، استعدوا لفراق أحبائكم». فرغم الجنائزية اليائسة التي أتى عليها رئيس وزراء بريطانيا في خطابه هذا، ورغم تقدم بلاده طبياً، إلا أنه لم يُتهم بـ «بث الوهن والخوف» في نفوس شعبه.
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كانت قد سبقت رئيس الوزراء البريطاني بتصريحات مرعبة من احتمال إصابة ما يقرب من 70% من سكان البلاد بفيروس كورونا، وكان قد فعل كذلك الرئيس الفرنسي ماكرون بطريقة أخرى، عندما غرّد قائلاً: «فيروس كورونا أخطر أزمة صحية تواجهها بلاده منذ قرن».
ما أودّ قوله هنا: إن الغرب يتمسّك بقيمه في أحلك الظروف؛ إذ يعتبر الشفافية والصراحة والوضوح حقوقاً أساسية للمواطن، ينبغي أن تتقدم على أي اعتبار، حتى لو كانت الحقائق مؤلمة وقاسية، والبعض يرى فيها رسالة تبث الخوف والهلع.
بالمناسبة ليس من العيب أو الضعف لأي دولة لو سجلت حالات، بل الضعف يبدأ من التكتم عليها، وجعل المشهد مرتعاً لتلقّف الشائعات، مما يصيب البعض بالخوف والهلع. وعليه؛ لا يعني بحال من الأحوال التنازل عن مبدأ الشفافية والوضوح، وبالوقت نفسه مراقبة حركة وسلوك الفيروس في العالم؛ لاتخاذ مزيد من حالات الاستنفار والجاهزية والاستعداد لهول القادم، وتدارك التداعيات.
لننظر من هذه الزاوية للإجراءات التي قامت -وما زالت تقوم بها- دولة قطر حيث كانت سبّاقة في الصراحة والوضوح عند إعلانها عن الأرقام المؤكدة للمصابين بفيروس كورونا، ومن هم في الحجر الصحي، وكذلك الحالات التي تماثلت للشفاء. لقد أظهرت وزارة الصحة القطرية قدراً كبيراً من المسؤولية في تعاطيها مع المصابين وتطوّر الحالات، مما بث طمأنينة وثقة لدى الرأي العام، عززتها جدية الإجراءات الاحترازية العملية الفاعلة التي أعلنت عنها الحكومة، من خلال بثها الرسائل الحاسمة والسريعة القائمة على تدفق المعلومات المستمرة. ومن هنا، نوجه كلمة شكر لمكتب الاتصال الحكومي، ولكل العاملين في المؤسسات الصحية في الدولة التي بالفعل ضربت أروع الأمثلة على اتباع الشفافية، ومخاطبة الرأي العام، وأثبتت قدرتها على إدارة أزمة كورونا.
حتى كتابة هذه السطور، يؤكد أهل الاختصاص من أحفاد أبقراط، عدم توقعهم إيجاد لقاح قبل نهاية العام الحالي، بينما هذا الفيروس المشاكس يضرب الأمن الوطني لبعض الدول؛ لذا تبقى الشفافية هي الوسيلة المهمة لمحاربة الأخبار المضللة والإشاعات، كما أنها من أهم عناصر مواجهة الأزمات، لا بل هي من يصنع الفرق بمثل هذه الظروف، وتتصدى لإفرازاتها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.