الثلاثاء 16 رمضان / 21 مايو 2019
03:23 ص بتوقيت الدوحة

من الحياة

الصندوق

الصندوق
الصندوق
نحن لا نعيش في هذه الدنيا الرحبة، بل كل منا يعيش داخل صندوق! قد يبدو هذا للبعض ليس حقيقيا وربما مستَغرباً أو تخيلياً، ولكن يجب أن يمعن هؤلاء التفكير في رأيهم هذا. فكل منا يعيش في صندوق، بل صندوق داخل صندوق داخل صندوق، كل منا يعيش في صندوق أول هو ما تعود عليه ولا يستطيع أو لا يحب تغييره، فمعظمنا له عادات يعلم بضررها عليه ولكنه لا يستطيع التمرد عليها والأمثلة كثيرة، فهناك من لا يستطيع النوم إلا بعد منتصف الليل بساعتين أو أكثر، ثم يصحو مبكرا ليذهب إلى عمله فلا يستطيع التركيز ولا يستعيد رشده إلا بعد مرور ساعات وعدد من فناجين القهوة، وهناك من يضيع كل وقته على الإنترنت ويهمل أهله، وهناك من تقضي كل وقت فراغها في التسوق ومراكز التجميل وتهمل بيتها، وهناك من يضيع ماله على التدخين وأولاده في أشد الحاجة له، وأنا هنا أذكر العادات المتطرفة لوضوح ضررها، ولكن هناك عادات أخرى صغيرة لها ضررها التراكمي والأمثلة كثيرة، فإذا ناقشت أحد هؤلاء فيما يفعله بحياته يرد عليك: «لقد تعودت ولا أستطيع التغيير»، يجعل من عاداته صندوقا يحبس نفسه بداخله عن كثير من الفوائد، والسبب أننا كبشر لا نحب تغيير عاداتنا، لا نحب الخروج عن منطقة راحتنا «Comfort zone» كما يصفها علماء النفس، وهي المنطقة التي تشمل ما تعودنا عليه وألفناه حتى صرنا لا نريد أن نعرف أو حتى نجرب غيره، وذلك رغم أن العادات يمكن تغييرها، هكذا يقول علماء النفس أيضا، ولكن الأمر يحتاج إلى صبر ومثابرة. أما الصندوق الثاني الذي يجمع أفراد كل مجتمع معا فهو عادات وتقاليد مجتمعهم، وكثير منها لا أساس له من الصحة، ففي بعض مناطق الهند تقتل المولودة الأنثى بمجرد ولادتها لتفضيلهم إنجاب الذكور، وفي الصين يتم إجهاض الجنين الأنثى بمجرد معرفة نوعه لنفس السبب ولأنه لا يسمح إلا بإنجاب طفل واحد لكل أسرة، وحتى في مجتمعاتنا الإسلامية، نجد العادات التي تتعارض تعارضا صارخا مع الإسلام، ففي بعض مناطق مصر تلطم النساء خدودهن ويرفعن أصواتهن بالصراخ حزنا على الميت رغم نهي الرسول (ص) الصريح عن ذلك، بل إن كل المعزيات لا بد أن يشاركن في ذلك كنوع من المجاملة، وهناك كثير من العادات الأخرى مثل النظرة المتدنية للمرأة المطلقة التي قد تكون طلقت لسبب لا ذنب لها فيه، ورفض زواج الرجل الذي لم يتزوج من قبل بمن سبق لها الزواج حتى وإن كانت بها كل المميزات المطلوبة، وذلك رغم أن الرسول (ص) قد تزوج أول ما تزوج بالسيدة خديجة رضي الله عنها التي كانت تكبره عمرا وسبق لها الزواج. ولهذا فربما يجب أن نعمل جميعا على التفكير في عادات وتقاليد المجتمع والتحلي بالشجاعة اللازمة لنبذ الخاطئ منها وما يتعارض مع ديننا، وأنا أرى أن الكثيرين من الطبقات المثقفة والشباب قد قطعوا شوطا في هذا السياق، ولكن الطبقات محدودة التعليم وبالتالي قليلة الوعي والثقافة تحتاج إلى الكثير من التوعية في هذا المجال. أما الصندوق الثالث الذي لا بد أن يجمعنا كلنا كبشر معا فهو مرغوب بشدة ولا يمكن الاستغناء عنه، وهو تعاليم الأديان السماوية والمبادئ الأخلاقية، فنحن كبشر لا بد أن يكون لنا حدود نقف عندها وهي حدود الله سبحانه وتعالى، ولكن الأمر ما زال يحتاج منا إلى جهد لفرز ما هو حقاً له علاقة بالدين، مما يتم إلصاقه بالدين ظلما وبهتانا لأغراض في النفوس والأمثلة كثيرة. نحن كبشر نحتاج إلى شيء من انفتاح التفكير وتقبل الجديد بعد تمريره على صندوق تعاليم الأديان والمبادئ الأخلاقية الذي يجب أن نعتبره مثل (الفلتر) الذي يحمله كل منا في رأسه، فإذا تعرضت لشيء جديد أو تجربة لم تمر بها من قبل، فلتمررها على هذا (الفلتر) فإذا مرت منه بمعنى أنها تتفق مع الدين والأخلاق، فلتقم بها إذا، دعك من صندوقك الأول وهي عاداتك الشخصية، فالمرء يحتاج لشيء من التجديد، ودعك من صندوقك الثاني إلا إن كان ما فيه ليس مضرا ويتفق مع الصندوق الثالث، أجل جرب الجديد ولا تحتفظ إلا بصندوقك الثالث، فهذه هي سنة الحياة التي نغفل عنها، يجب أن تدع التغيير يأخذ مساره، فلا شيء يبقى على حاله.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الآخرون

19 نوفمبر 2011

عيون زرقاء

12 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (2)

05 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (1)

22 أكتوبر 2011

بين السطور

15 أكتوبر 2011

المقياس

08 أكتوبر 2011