السبت 14 شوال / 06 يونيو 2020
09:28 م بتوقيت الدوحة

عودة أجواء السبعينيات الاقتصادية (2-2)

عودة أجواء السبعينيات الاقتصادية  (2-2)
عودة أجواء السبعينيات الاقتصادية (2-2)
إن أي تقهقر مستدام خلف الحدود القومية بسبب وباء كورونا (أو حتى الخوف الدائم من الوباء) في ظل تنامي النزاعات التجارية يعد بمثابة وصفة للعودة إلى ضغوط الأسعار التصاعدية. في تلك الحالة، قد يؤدي ارتفاع التضخم إلى رفع أسعار الفائدة، وخلق تحدٍّ أمام واضعي السياسات النقدية والمالية العامة.
كذلك تجدر بنا الإشارة هنا إلى أن أزمة فيروس كورونا تضرب الاقتصاد العالمي في توقيت صعب، حيث يعتري النمو ضعف واضح وتعاني دول كثيرة من الاستدانة المفرطة، إذ لم يتجاوز النمو في عام 2019 نسبة 2.9%، وهو ما لا يرتفع كثيراً عن مستوى 2.5% الذي لطالما شكّل تاريخياً أرضية خصبة لركود عالمي. قبل ظهور الفيروس مباشرة، كاد اقتصاد إيطاليا يبدأ في التعافي، وكانت اليابان بالفعل تنحدر نحو الركود بعد رفع ضريبة القيمة المضافة في توقيت غير مناسب تماماً، وكانت ألمانيا تترنح وسط فوضى سياسية. ورغم أن الولايات المتحدة ربما تبدو في أحسن حالاتها، فإن احتمالات بدء ركود قبل انتخابات الرئاسة والكونجرس في نوفمبر، والمقدرة قبل ذلك بنحو 15%، تبدو الآن أعلى كثيراً.
ربما بدا غريباً ما يمكن أن تسببه سلالة فيروس كورونا الجديدة من أضرار اقتصادية جمة حتى في الدول التي تمتلك ظاهرياً الموارد والتقنيات اللازمة لمقاومته. والسبب الرئيس لذلك أن الأجيال السابقة كانت أفقر كثيراً من الأجيال الحالية؛ لذا كان كثيرون يضطرون للمخاطرة بالذهاب إلى العمل. وعلى العكس من العصر الحالي، لم تكن الانسحابات الاقتصادية الجذرية أمام الأوبئة خياراً متاحاً، طالما أنها لم تقتل غالبية البشر.
إن ما حدث في ووهان الصينية، بؤرة تفشي الوباء الحالي، أمر رهيب لكنه كاشف (لقدرات الصين). فقد عزلت الحكومة الصينية إقليم هوبي تماماً وفرضت على سكانه البالغ عددهم 58 مليوناً الأحكام العرفية، فلا يستطيع المواطنون العاديون مغادرة منازلهم إلا تحت ظروف معينة. في الوقت ذاته، تمكنت الحكومة فيما يبدو من توصيل الطعام والماء إلى مواطني الإقليم على مدار ستة أسابيع تقريباً حتى الآن، وهو أمر لا طاقة لدولة فقيرة به.
نلاحظ أيضاً أنه في مناطق أخرى من الصين، خاصة المدن الكبرى مثل شنغهاي وبكين، أن عدداً كبيراً للغاية من الناس لزموا منازلهم معظم الوقت لتقليل تعرضهم للفيروس. وربما لم تتخذ حكومات في دول أخرى مثل كوريا الجنوبية وإيطاليا تدابير مشددة كالتي اتخذتها الصين، لكن كثيراً من مواطني تلك الدول يلزمون منازلهم، مما يؤشر إلى أثر سلبي بالغ على النشاط الاقتصادي.
لقد ارتفعت احتمالات حدوث ركود عالمي بشكل كبير، يتجاوز كثيراً ما تعترف به التوقعات التقليدية للمستثمرين والمؤسسات الدولية. وينبغي لواضعي السياسات الاعتراف بالحاجة إلى معالجة الصدمة الهائلة التي أصابت سلاسل الإمداد العالمية، إضافة إلى تخفيضات أسعار الفائدة والتحفيز المالي. وقد تأتي الإغاثة العاجلة من الولايات المتحدة بتقليصها الرسوم الجمركية الناجمة عن الحرب الاقتصادية بدرجة كبيرة، وبهذا تسهم في تهدئة الأسواق، وتُظهر فن إدارة الدولة في تعاملها مع الصين، وتوفر أموال المستهلكين الأميركيين، فالركود العالمي مناسبة للتعاون لا الانعزال.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.