الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
11:25 ص بتوقيت الدوحة

من الحياة

سها وهناء

سها وهناء
سها وهناء
عرفت سها عن طريق الصدفة، احتجت إلى سلعة ما، سألت وعرفت أنها متوفرة ولكن بائعيها يغالون كثيرا في السعر، بحثت وبحثت حتى وجدت موقع سها على الإنترنت، اتصلت بها رغم توجسي من شراء أي شيء على الإنترنت، فوجدتها لطيفة ومهذبة، أخبرتني أنها تبيع بالجملة فقط، وإن كانت على استعداد لبيعي أنا الكمية التي أحتاجها فقط وتقابلنا في اليوم التالي لإعطائي عينة مجانية أعجبتني كثيرا، ثم جاءت بعدها إلى بيتي لتوصيل ما اشتريته منها. أعجبتني سها لأنها تتميز بالمرح الشديد، والقدرة على الضحك من كل شيء، بالإضافة إلى بساطتها وتعودها على الناس بسرعة، وهكذا فقد أخذت بعد نصف ساعة من حضورها، تحكي لي عن زوجها الذي تزوجته منذ أكثر من عام وهو مصري يحمل جنسية دولة أوروبية، وعن رغبته في أخذها للعيش في هذا البلد الأوروبي وعدم قدرتها على ترك عائلتها، عن قلة كلامه التي تجعلها تفر كلما استطاعت إلى منزل أسرتها «قبل أن تنسى الكلام» على حد قولها، عن تأخرهما في الإنجاب بعد أن مر على زواجهما عاما ونصف ومحاولات العلاج، عن تأخرها هي في الزواج -أو هكذا كان رأيها- فقد تزوجت في الواحدة والثلاثين، وعن أختها التي تكبرها، هناء، التي تجاوزت الخامسة والثلاثين ولم تتزوج بعد، وعن قلق أسرتها عليها، مرت ثلاثة ساعات وأنا أحكي مع سها وسط ضحكاتنا، حتى انصرفت على وعد مني بمحاولة تدبير زواج أختها من شخص أعرفه يعمل في الخارج. مرت شهور وعاد الزميل الذي رغبت أن أزوجه لهناء ففاتحته في الموضوع، فقبل أن يقابلها مع أسرتها، كنت أعلم أنه يقترب من الخامسة والأربعين، ويدعي أنه رأى ما يقرب من 150 عروسا ولم تعجبه أي منهن، ورغم ذلك فقد كان عندي أمل أن تعجبه هناء ويعجبها، وينجح الأمر، أمل يراودني كلما حاولت تدبير إحدى الزيجات، وهي إحدى هواياتي المتعددة، اتصل العريس بوالد هناء، وحدد موعدا مبدئيا للقاء في النادي، قبل أن يتصل بي ليقول إنه لن يتصل بهم ثانية لأن الوالد بدا مترددا ولم يعجبه، حاولت إقناعه أن يراها فلم يبد عليه الاقتناع، طلبت منه أن يتصل للاعتذار فوعدني ولم يفعل. مرت أيام واتصلت بي سها تسأل لم لم يتصل العريس ثانية، فلم يطاوعني قلبي على إخبارها أن الأمر قد فشل قبل أن يبدأ، فقلت إني لا أعرف وإنه لا يرد على اتصالاتي، واعتذرت لها بشدة فقد أحسست بإحراج شديد، مرت شهور أخرى وقابلت سها ثانية للحصول على السلعة التي تبيعها، ثم بعد شهور أخرى مررت على منزل أسرتها لنفس السبب، قضيت بعض الوقت أضحك معها ومع والدتها المرحة أيضا، بعدها حضرت هناء فرأيتها لأول مرة، سمينة قليلا رغم مواظبتها على الجيم، ليست جميلة رغم اهتمامها الشديد بنفسها وملابسها الغالية، تبدو أكبر كثيرا من سنها، ولكن روحها الطيبة أعطتني إحساسا بأنها أجمل الجميلات، سلمت علي وبدأت الكلام كأنها تعرفني منذ سنوات، تحكي وتحكي عن اكتشافها لسرقات في الشركة الأجنبية التي تعمل بها وإبلاغها للمركز الرئيسي، وعن سفرها المقرر مع المتهمين بالسرقة في اليوم التالي إلى المركز الرئيسي للتحقيق وكيف غيرت يوم السفر لتسافر على طائرة أخرى؛ لأن أمها تخاف أن يؤذيها أحد منهم، وكيف تنوي أن تجعل برايان، الموظف الأمريكي في المركز الرئيسي يعتنق الإسلام ويتزوجها لأنه «مز» ويعجبها، تتكلم وتضحك ضحكة عالية مرحة وهي تميل إلى الجانب وتلقي رأسها للوراء، تماما كما تفعل سها ووالدتهما، انتقلت إلي عدوى المرح فدخلنا في سجال من النكات والقصص الطريفة قبل أن تحكي لي والدتهما، التي تجاوزت الستين، عن موقع الإنترنت الذي أنشأته للمربع السكني في المدينة الراقية حيث يسكنون، للتنسيق بين الجيران بخصوص النظافة والأمن وغيره، وعن الجار الذي يبعث إيميلات غير مفهومة، فانبهر من كون سيدة في عمرها، لم تكمل تعليمها الجامعي، قادرة على استعمال الإنترنت بهذه الصورة. تحكي سها عن موعدها مع الطبيب غدا، فهي لم تنجب بعد وقد مر الآن عامان ونصف على زواجها وتجاوزت الثالثة والثلاثين، تجاوزت هناء السادسة والثلاثين ولم تتزوج والأم قلقة عليهما كما تقول سها، وإن لم ألمح أي أثر للقلق على ثلاثتهن، لا شيء غير المرح والرغبة في الاستمتاع بما هو متاح والتغاضي عن النواقص والرغبة في فعل الجديد دائما، لا شيء غير حكايات مرحة وضحكات مجلجلة يطلقنها وهن يملن إلى الجانب ويلقين برؤوسهن إلى الوراء. غادرت منزل أسرة سها وأنا أتساءل، هل لو كانت سها قد أنجبت بمجرد زواجها وهناء تزوجت في العشرينيات، هل كانتا ستحتفظان بهذا المرح والرغبة في الحياة والقدرة على اقتناص اللحظات السعيدة من بين الظروف السيئة؟ أم هل كانتا ستتصرفان مثل معظمنا، تريان نصف الكوب الفارغ وتلعنان نواقص حياتهما وتقضيان الوقت في التذمر وتضيعان متعة الإحساس بالأشياء الجميلة التي تملكانها حتى يفوتهما الوقت؟ لم أعرف الإجابة وفي الغالب لن أعرف، ولكني قررت منذ تلك اللحظة، أن أركز دائما على نصف الكوب المليء قبل أن يفوتني الوقت.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الآخرون

19 نوفمبر 2011

عيون زرقاء

12 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (2)

05 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (1)

22 أكتوبر 2011

بين السطور

15 أكتوبر 2011

المقياس

08 أكتوبر 2011