الأربعاء 14 شعبان / 08 أبريل 2020
08:44 ص بتوقيت الدوحة

صحف «قالعة».. و«صحيفة قلعة» (1-2)

صحف «قالعة».. و«صحيفة قلعة»     (1-2)
صحف «قالعة».. و«صحيفة قلعة» (1-2)
شاهدت الأسبوع الماضي، فيلم «ذا بوست» للمخرج ستيفن سبيلبرج، وسيناريو ليز هانا، وهو العمل الهوليوودي الكبير الذي تم إطلاقه في دور العرض الأميركية في ديسمبر من العام 2017.
يجسّد الفيلم معركة الصحيفة الأميركية الشهيرة «واشنطن بوست» في العام 1971، لنشر أوراق وزارة الدفاع «البنتاجون» المسرّبة، والتي توضح تورط أميركا في حرب فيتنام، وتسرد الصورة المضللة التي حاولت روايتها للأميركيين بشأن تلك الحرب، والتي حصلت عليها من داخل مبنى وزارة الدفاع.
اشتهرت هذه التقارير المسرّبة باسم «أوراق البنتاجون»، ورغم أن الحكومة أصدرت قراراً يمنع نشر تلك الوثائق خوفاً من إثارة الرأي العام، فإن مسؤولي «واشنطن بوست» خرقوا قرار حظر النشر في تحدٍّ صارخ للسلطات.
جسّد الممثل توم هانكس في الفيلم دور رئيس تحرير «واشنطن بوست» بن برادلي، كما قدمت الرائعة ميريل ستريب دور كاثرين جراهام مالكة الصحيفة وناشرها، واستطاع الفيلم أن يجسّد بشكل جيد شعور القلق والضغوط الكبيرة، التي يتعرض لها الصحافيون في محراب صاحبة الجلالة، بما يمكن أن نصفه بأن تلك الصحيفة تعتبر نفسها «القلعة الأخيرة للحريات»، وأنها إذا تخلت عن هذا الدور فسوف تتم استباحة هذه الحريات التي ناضل من أجلها الأميركيون منذ عشرات السنين، والتي تُعد مثار فخرهم واعتزازهم في مواجهة الأمم الأخرى في الشرق والغرب.
فكرة الكتابة عن «قلاع الحريات العامة» في المجتمع الأميركي تراودني منذ فترة، لكن بعد مشاهدتي لفيلم «ذا بوست» مجدداً، استفزني صديقي المثقف عندما تلفظت أمامه بعبارة «قلاع الحريات» للإشارة إلى «واشنطن بوست»!
تنهّد تنهيدة حسرة وألم، وقال: نعم، تلك صحيفة قلعة، بينما صحفنا في مصر «قالعة»، ونطق اللفظ الأخير باللهجة المصرية الدارجة!!
والتعبير هنا مفهوم للمصريين، ويقصد صديقي منه أن الصحف المصرية في الداخل تحديداً، لا ترغب حتى في أن تواري عورتها بورقة توت واحدة، فهي «قالعة» أو عارية طوال الوقت، ومفضوحة في دفاعها عن الظلم والاستبداد والديكتاتورية، لدرجة أنها لا تراعي حتى ستر عوراتها تجاه تلك المواقف المنحازة للمستبدين والطغاة.
لن أكتب هنا عن مثالب وإخفاقات الصحف المصرية، لكنني أريد الكتابة عن الوجه الآخر للصحف الأميركية، فالشيء بضده يُعرف!
صحيفة «واشنطن بوست» أو «ذا بوست» كما يطلق عليها الأميركيون، لم تستمد شهرتها ونفوذها وانتشارها بسبب عراقتها فقط، ولم تستند لتلك العراقة مثل صحيفة الأهرام مثلاً، كما أنها لم تستمد نفوذها وشهرتها من تواجد مقرها في العاصمة واشنطن فقط، حيث مقر الحكم في البيت الأبيض والكونجرس وغيرها من المؤسسات، لكن في تقديري لأن «ذا بوست» استطاعت أن توجد لها طريقاً متفرداً في عالم الصحافة، يتمتع بالمصداقية والتفاعل مع القضايا المحيطة بها.
توصف «واشنطن بوست» بأنها صحيفة «حيادية» شعارها «الحقيقة تموت في الظلام»، لكنها تعتبر ليبرالية متحررة من الناحية السياسية، خصوصاً فيما يتعلق بصفحة الرأي، والتي يستشهد بها النقاد والمتخصصون في الإعلام مع صحيفة «نيويورك تايمز»، باعتبارهما يمثلان ما يعرف في أميركا حالياً باسم «الإعلام الليبرالي».
تصنف «واشنطن بوست» بأنها أقرب إلى دوائر الحزب الديمقراطي منها إلى الجمهوريين، وتجلى ذلك في تأييدها عام 2000 لحملة المرشح الديمقراطي آل جور للانتخابات الرئاسية، التي خسرها أمام جورج بوش الابن، وأيضاً حملة باراك أوباما الرئاسية خلال حملته عام 2008.
على مستوى السياسة الداخلية، عرفت «واشنطن بوست» بتبنيها قضايا الأقليات المهاجرة وحقوق الإنسان والحريات، ورفضت في المقابل «قانون باتريوت» الذي أتاح إمكانية التنصت على المكالمات الهاتفية ومراقبة مواقع الإنترنت والتحويلات البنكية داخل الولايات المتحدة، وللحديث بقية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.