الجمعة 14 صفر / 02 أكتوبر 2020
01:39 ص بتوقيت الدوحة

الحاسوب الكمومي.. هل بدأ العصر الأسرع؟

ناصر الهلابي

السبت، 15 فبراير 2020
الحاسوب الكمومي.. هل بدأ العصر الأسرع؟
الحاسوب الكمومي.. هل بدأ العصر الأسرع؟
سيكون للحواسيب الكمية دور فعال في علاج الكثير من الأمراض مثل السرطان والسكر

مضى عهد فيزياء نيوتن والسفر بالسيارات والطائرات لينطلق عصر السفر بين النجوم

في عالم متغيّر بسرعة الضوء، بل أسرع من الضوء، تتسابق دول عظمى مثل أمريكا والاتحاد الأوروبي والصين في إنفاق المليارات من الدولارات لتطوير الحواسيب، من الحاسوب العادي إلى الحاسوب الكمي (أو الكمومي)، الذي يعتمد على البايت الكمي، حيث رصدت الصين 10 مليار دولار لتجهيز هذه الحواسيب، أما أمريكا والاتحاد الأوروبي فقد رصد كل منهما مليار دولار.

ولك أن تتخيل أيها القارئ الكريم أن أسرع حاسوب تقليدى في العالم اليوم، وهو الحاسوب الصيني الخارق الذي تبلغ سرعته 33,86 بيتا فلوب / ثانية، والتي تعادل (ألف تريليون / ثانية)، وهو أسرع من الحاسوب الأمريكى (TITAN) الذي تبلغ سرعته 17,59، أي نصف سرعة الحاسوب الصيني الذي لا يستطيع أن يحاكي جزيء من القهوة (الكافايين)، الذي هو أعقد في تركيبه من الماء، وأبسط من تكوين الحمض النووي  DNA.

خيارا العمل والإطفاء

ولكي يستطيع أضخم حاسوب تقليدي خارق محاكاة جزيء الكافايين فهو يحتاج إلى شرائح إلكترونية تفوق أضعاف عدد الذرات التي تتكون منها مجرتنا الفضائية، وإذا كان الحال كذلك مع جزيء الكافيين البسيط، فكيف سيكون الحال مع جزيئات أكثر تعقيدًا منها، أو مجرد التفكير فى حل مسائل أعمق وأصعب فى الرياضيات وإيجاد العلاج لكثير من الأمراض المزمنة، فالطريقة المتبعة الآن تعتمد على التجربة والتوصل إلى الحلول عبر الخطأ والصواب، وسط خيارات عشوائية لا حصر لها، كما أن هذه الحواسيب التقليدية تعتمد على الرقم المكون من 0 و1، أي لا يوجد سوى خياري العمل والإطفاء، هما: on وoff، حيث 1 يعني مرور التيار، و0 يعني عدم مرور التيار.

إن أصغر وحدة يمكن إضافة المعلومات والبيانات إليها، والتي يطلق عليها اسم بيت  BIT، إما أن تكون 1 أو 0، وتعتمد القوة الحسابية لهذه الكمبيوترات العادية على عدد الترانزستورات الثنائية (مفاتيح التشغيل الصغيرة) التي تأتي ضمن Microprocessor  المعالج.

لقد أعلنت شركة إنتل إنتاج ميكروبروسيسور يحتوى على خمسة مليارات ترانزستور، إلا أن هذ العدد الهائل لا يستطيع أن يحاكي جزيء الكافيين، كما أن الشركة أعلنت أنه بحلول عام 2021 ستصنع ترانزستور بحد أدنى يصل إلى 1 نانو متر، ولا يمكن التصغير أكثر من ذلك بالمقابل سيصل أداء المعالجاتprocessor  إلى حده.
 
عجز النظام الرقمي

هذا ما دفع رئيس وزراء كندا جاستن ترودو يوم 16 أبريل 2016، في معهد بريمتر perimeter في مقاطعة أونتاريو – وهو واحد من المراكز الرائدة حول العالم التي تعنى بدراسة الحوسبة الكمية وتطويرها –  للقول بأن النظام الرقمي التقليدي الذي تعتمد عليه الحواسيب العادية بات عاجزًا، وأن المستقبل للحواسيب الكمومية التي تعتمد على نظرية الكم، وخاصيتين غامضتين هما: التراكب Superposition  والتشابك الكمي  Entanglement.

أولًا – التراكب: في عالم ما تحت الذرة الخاص بمكانيكا الكم يمكن للجسيمات أن تتصرف مثل الموجات؛ إذ يمكن أن تتواجد فى صورة جسيمات أو موجة أو جسم وموجة معًا، وهذا ما يعرف باسم التراكب، حيث يمكن للبايت الكمي أن يكون 0 أو 1 أو 0 و1 معًا، وهذا يعني أن الواحد من QBIT يمكنه تكوين معادلتين في الوقت نفسه، كما يمكن لاثنين من QBIT تكوين أربع معادلات، وبالتالي يمكن لثلاثة من QBIT  تكوين 8 معادلات، وهكذا يتسارع هذا التراكب الكمي إلى أعداد كبيرة بشكل لا يصدق، وبالتالي يمكننا تخزين معلومات أكثر في المساحة نفسها، مقارنة بمعلومة واحدة في الحواسيب العادية.
ثانيًا – التشابك الكمي: يعتمد مفهوم التراكب الكميQBIT   على مبدأ التشابك الكمي، وهو علاقة أشبه ما تكون بالتخاطر، تربط بين وحداتQBIT ، تجعلها تؤثر في بعضها بسرعة أكبر من سرعة الضوء، فتصوّر لو أن عندك جسيمين، بينهما مسافات شاسعة تبلغ آلاف الكيلومترات، فما إن تغير أحدهما حتى يتغير الآخر في الوقت نفسه.

نمو الحاسوب الكمي

بسبب التراكب والتشابك يحدث النمو والتسارع فيQBIT ، حتى تصل إلى أعداد هائلة تفوق تصورنا البشري، مما سيسمح بكل سهولة لحاسوب كمومي مكون من 1000QBIT   فقط أن يقوم بأداء خارق يفوق كل حواسيب الدنيا منذ اختراع الحاسوب إلى اليوم.

ولكن السؤال لماذا الحاجة إلى الحاسوب الكمي؟

فيما سبق أوضحنا أن الحاسوب التقليدي الذي يتألف من MICROPROCESSOR، والذي يحتوي على الترانزستورات، قدرت بحد أقصى 5 مليارات توانزستور في المايكروبورسيسور الواحد، وبالتالي غدت شركات تصنيع الترانزستور عاجزة عن صنع ترانزستور أصغر من 1 نانو متر، والنانو متر جزء من المليون جزء في المتر الواحد، لذا اقترح ريتشارد فاينمان (حائز على جائزة نوبل) عام 1981 إنشاء جيل جديد من الحواسيب، يعتمد على نظرية الكم، والتي سيكون لها قدرة هائلة في حل أكثر المسائل الرياضية تعقيدًا.

وقد أعلنت غوغل مؤخرًا إنشاء حاسوب كمي بقدرة 30QBIT، فيما أعلنت مايكروسوفت وIBM إنشاء حاسوب كمي تبلغ ذاكرته 50QBIT، ويمكن تجربته مجانًا عن طريق الرابط المتاح على صفحة IBM .








استخدامات الحاسوب الكمي

لا يتوقع استخدام الحواسيب الكمية على المستوى الشخصي إلا بعد عقدين من الزمن، لكن يتوقع استخدام الحواسيب الكمية خلال عقد من الزمن في التالي:

1 – الاستخدامات الأمنية: لعل من أهم استخدامات الحاسوب الكمي كسر الشيفرات المعقّدة، حيث أن  أعتى أنواع الشيفرات، مثل تقنية RSA التي تقوم على استحالة تحليل الأعداد إلى عواملها الأولية بصورة سريعة، فعلى سبيل المثال إذا كان العدد مكونًا من 10 خانات فسوف يحتاج الحاسوب التقليدي إلى سنين لتحليلها، بينما سيحتاج الحاسوب الكمي إلى دقائق أو ربما أقل من ذلك لتحليلها، وقد أعلنت مؤسسات مالية ضخمة مثل باركليز وجولدمان ساكس مؤخرًا تمويل أبحاث استخدام الحاسوب الكمي في مجالات عديدة، مثل تحسين المحافظ المالية، وتسعير الأصول، وموازنة المشاريع الرأسمالية، وأمن البيانات.

2 – الاستخدامات الطبية: سيكون للحواسيب الكمية دور فعال في إيجاد حلول وعلاجات للكثير من الأمراض، مثل السرطان والسكر والكبد الوبائي، حيث يستغرق إيجاد علاج أو مضاد حيوي باستخدام الحاسوب التقليدي سنينًا أحيانًا، لكن الحال سيختلف تمامًا باستخدام الحواسيب الكمية، فربما يبلغ أيامًا أو ساعات، عن طريق رسم خرائط الأحماض الأمينية، أو من خلال تحليل بيانات تسلسل الحمض النووي، حيث سيكون بإمكان الأطباء اكتشاف وتصميم علاجات متطورة في وقت قصير جدًّا، نظرًا للقدرة الهائلة لهذه الحواسيب الكمية على تحليل المعلومات.

وثمة استخدامات أخرى يمكن للحواسيب الكمية القيام بها، مثل: تطوير الطائرات أمنيًّا، الاكتشافات الفضائية للمجرات والكواكب، زيادة الناتج المحلي، القيادة الذاتية للسيارات، تقليل وقت السفر.

في الختام: لقد أوجد الخالق عزّ وجل في مكنون المادة، وفي ذراتها الصغيرة عجائب وأسرارًا، حيث قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ". سورة فصلت الآية 53. 

لقد مضى عهد فيزياء نيوتن، والسفر بالسيارات والطائرات في محيط الأرض، لينطلق عصر جديد، هو عصر السفر بين النجوم، وسيكون بمقدور هذه الحواسيب الكمية، التي تعد الإنجاز الأول لفيزياء الكم، القدرة على اكتشاف العوالم والفضاءات والمجرات، فكم هو رائع الدخول والسفر إلى هذه العوالم الخفية والشيقة.




*  كاتب ومهندس قطري
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.