السبت 10 شعبان / 04 أبريل 2020
05:01 م بتوقيت الدوحة

البحتري وبركة المتوكل

البحتري وبركة المتوكل
البحتري وبركة المتوكل
دواوين الشعراء معالم سياحية يرتادها المتذوقون، ويزورها الراغبون، ويدمنها الفصحاء، ويكون الإِدمان بمقدار ما ترك الشاعر خلفه من عبق وأثر، وبمقدار ما صورت عدسته من مشاهد لافتة، وأبدعت ريشته من رسوم وجسوم، وبقدر ما سخّر من فطنته لتخليد عصره، وما نفخ من روحه في كلماته، وقد مررنا على بعض معالم البحتريّ الشاعر الوصّاف صاحب العدسة الأخّاذة والمسرح الجذاب، فأدمنّا المرور، واستطبنا المقام، واستزدنا من تلك المدام، وها نحن في ضيافته وفي نزهة حول بركته التي تُنسب إليه بوصفه شاعراً قد وصفها وصفاً يفوق نسبتها إلى الخليفة المتوكل الذي بناها وصنعها، ولولا كلمات البحتريّ لانقطعت أخبارها، وغيض ماؤها، وتحوّل بهاؤها، ولكنّها لا تزال إلى اليوم تتدفق من كلمات البحتريّ كأنَها ببريقها ونقائها، سيلاً من الفضة المذابة، ولا تزال تنفرد في مجاريها متسارعة متتالية كما تخرج الخيل من إصطبلها:
تَنْحَطُّ فيها وُفُودُ المَاءِ مُعْجِلَةً
كالخَيلِ خَارِجَةً من حَبْلِ مُجرِيهَا
كأَنَّما الفضةُ البيضاءُ سائلةً
من السبائكِ تجري في مجارِيها
قد يعجب السامع من وصف تدفق الماء بخروج الخيل من حظائرها، إلّا أن انسجاماً رائعاً لفتنا إليه الشاعر بينهما من حيث التدفق وعدم الانقطاع، كان هذا وصفاً للماء المتحرك فيها، فما بال الماء الراكد الذي تؤول إليه الأمواه، لم يغفله الشاعر من وصف لائق به؟ فالريح تداعب وجهه، فتجعله مسروداً كدرعِ الفارس الذي يتوشحه للحرب، والليل يجعل منها مرآة للسماء:
إِذا علتْها الصِّبا أَبدَتْ لها حبكاً
مثلَ الجواشنِ مصقولاً حواشيها
إِذا النجومُ تراءَتْ في جوانبِها
ليلاً حسبتَ سماء رُكّبتْ فيها
يتخذ البحتريّ نهجاً طفولياً في التشبيه عندما يشبّه انعكاس السماء في البركة بسماء ثانية، وهذا ديدن الطفل في تأويل المشهد عندما يراه، قد اقتصر عليه الشاعر، لما فيه من نقل صادق وموافق وتصوير دقيق للمشهد.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

عدسة الأعشى

08 مارس 2020

نونيّة الرندي

01 مارس 2020

بصيرة بشّار

23 فبراير 2020