الثلاثاء 10 شوال / 02 يونيو 2020
11:55 م بتوقيت الدوحة

السلم الاجتماعي بين الإيجابية والسلبية

السلم الاجتماعي بين الإيجابية والسلبية
السلم الاجتماعي بين الإيجابية والسلبية
شاركت في ندوة ان عقدت الأسبوع الماضي بالعاصمة السودانية الخرطوم، لتبحث في كيفية بناء «السلم الاجتماعي» في السودان على خلفية الصراع الدموي الذي نشب في مواقع سودانية بعيدة كل البعد عن بعضها البعض، إذ إن أولاها تقع في أقصى غرب السودان مدينة الجنينة حاضرة ولاية غرب دارفور، والثانية وقعت في مدينة بورتسودان ميناء السودان الأشهر الواقع على البحر الأحمر شرقي السودان، وفي كلتا الحالتين لاحظ المتحدثون أن النسيج الاجتماعي اهترأ وأن التعايش السلمي السابق راح ضحية لسيادة ثقافة العنف واختفاء كل مظاهر السلم الاجتماعي، بسبب التنافس على موارد محدودة أو متناقصة أو بسبب صراعات عرقية وقبلية.
لكن الملاحظة التي استوقفتني كانت الطريقة التي شرح بها اثنان من المتحدثين مفهومهما لـ «السلم الاجتماعي»، فالأول كان رأيه أن «السلم» هو غياب الحرب وصنوف العنف كافة، بينما قال الثاني إن السلم هو الأمن والاستقرار والتعايش، الأول حدد معالم المصطلح بالجانب السلبي «غياب العنف» كأنما كان في مؤخرة ذهنه أن العنف كان يفترض أن يكون حاضراً، أما الثاني فنظر للأمر من الزاوية الإيجابية باحثاً عن العناصر التي تكون في مجملها سلاماً اجتماعياً، ربما كان هذا الخلاف في طريقة تحديد مفهوم السلام، ينعكس أيضاً على الطريقة التي يتعامل بها هذان المتحدثان مع ظاهرة العنف الذي يهدد التعايش السلمي في تلك المجتمعات، وربما يساعدنا هذا في تحديد أفضل الطرق التي نتعامل بها مع ظاهرة النزاعات المتكررة في القارة الإفريقية، أغلب الظن أن الذين يفضّلون التعريف الإيجابي للسلام هم الذين يمتلكون الرغبة والقدرة على الوفاء بمتطلبات السلم الاجتماعي، بينما أولئك الذين يختارون التعريف السلبي فربما كان السبب أنهم غير متفائلين بإمكانية تحقيق السلام المطلوب!
أقول هذا وفي الذهن ما حدث مؤخراً في السودان، والاحتقانات التي نعيشها حالياً والمرشحة لأن تحدث نزاعات جديدة، ما لم نتنبه لها ونتخذ من الإجراءات ما يحول دون انفجارها في مناطق أخرى، والبلاد تعيش فترة انتقالية قلقة ومشحونة بالهشاشة.
إن الرابط الأقوى بين كل الجماعات المختلفة والمتعددة التي تتعايش في السودان الآن يربط بينها «عقد اجتماعي» غير مكتوب، هو الذي حافظ على تعايشها السلمي طوال هذه القرون، مع وجود نزاعات محسوبة وقابلة للمعالجة عبر آليات تقليدية مجربة وفاعلة، وتؤسس في مجملها لقانون مرعي.
وهذا يخلق حالة توازن تستمد أركانها من «العقد الاجتماعي» المحمي بقوة القانون الطبيعي الذي توصل إليه الناس عبر تجاربهم الطويلة، وممارساتهم المستمرة، فيساعد على حل المنازعات وتسوية الخلافات باعتبارها المرجعية التي يحتكم إليها الجميع.
والعقد الاجتماعي الذي نتحدث عنه هنا هو العقد غير المباشر الذي يفرغه المجتمع في قيم ومعايير وسلوكيات متفق عليها ضمناً بين المجموعات المتعايشة في مكان واحد، ويقدسها الجميع ويعتبرون الخروج عليها خطأ يستحق الاستنكار، ومهما كانت قوة وقيمة هذا العقد غير المباشر فإنه يمكن أن يضطرب وتهتز أركانه وتضعف قبضته إذا واجه ظروفاً قاسية أو صعوبات فوق طاقته مثل الحروب الأهلية الكارثية والنزوح واللجوء والاحتراب بأكثر الأسلحة فتكاً، وفي مثل هذه الحالة يزيد الأمر تعقيداً متى ما كان المجتمع المعني زاخراً بالتعددية والتباين، أو يعاني من مظالم نتيجة لعوامل مختلفة، عندئذ يميل الجميع إلى اللجوء لمنطق القوة، أي شريعة الغاب بعد أن فقدوا الأمل في سيادة حكم القانون العادل.
نخلص من هذا إلى أن استرداد مفهوم السلم الاجتماعي في مجتمعنا السوداني، الذي يعيش الآن كل أجواء واحتقانات المرحلة الانتقالية الهشة، استرداد السلم الاجتماعي يحتاج إلى ممارسة «الحكم الراشد» الديمقراطي الذي يزيل المظالم ويرعى العقد الاجتماعي ويستعيد هيبة القانون ويشرك الجميع في اتخاذ القرار، وما لم تتحقق كل هذه المطلوبات فستظل تلاحقنا الانفجارات المتكررة في مناطق النزاعات التي تحيط بنا من كل جانب.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.