السبت 10 شعبان / 04 أبريل 2020
02:04 ص بتوقيت الدوحة

«إحسان عبد القدوس» رائد الرومانسية

عرفان نظام الدين *

الأحد، 02 فبراير 2020
«إحسان عبد القدوس» رائد الرومانسية
«إحسان عبد القدوس» رائد الرومانسية

عانى من ازدواجية لافتة بين الأصالة والمعاصرة‏ وبين التزمّت والانفتاح
 
غاص في السياسة فدفع الثمن حيث سجن وعوقب مرارًا لتمسّكه بالحرية

أبدع في الرواية والقصة العاطفية وكان من المبرزين في العمل الصحفي

اختلف مع الرئيس جمال عبد الناصر الذي قرّبه ثم استبعده بسبب عناده 


لا يمكن العودة إلى ذكريات "الزمن الجميل" إلا بالتوقف عند رواد الرومانسية والوجدانيات والنهضة الأدبية والثقافية ودورهم في التوعية وكسر قيود التزمت، فقد عاش العرب العصر الذهبي في حياتهم خلال تلك الفترة، وشهدوا طفرة واسعة في عالم الشعر والأدب والثقافة والفنون تجلت فيها روح المنافسة الشريفة. 
وللإنصاف فإن من الواجب إلقاء الضوء على مسيرة الرواد –  وعددهم بالمئات في عهود الزمن الجميل –  إلا أني أردت حصر الحديث بالرواد الذين عرفتهم أو عملت معهم ولمست جوانب خفية من شخصياتهم.
اللافتة المضيئة الأبرز في هذا المجال حمل رايتها ثلاثة من الرواد، وهم  نزار قباني وإحسان عبد القدوس وغادة السمان، هؤلاء الذين جمعت بينهم عوامل كثيرة، من بينها الجرأة والصراحة والإبداع والدخول إلى عالم المحظور في عرض قصص من كواليس الحياة الوجدانية والحسية والعاطفية ومشاعرها السرية التي كان البوح بها من المحرمات.
لقد كتبت عن نزار شاعر‎ ‎العصر من قبل، وأصدرت عنه كتابًا يحمل عنوان "آخر كلمات نزار"، وسأحاول أن أكتب عن غادة "ياسمينة الشام " الروائية الرائعة، وأعرض رسائل لها وانطباعات عن مسيرتها الزاخرة، أما "عم إحسان" فسأخصص له هذا الحيز، ولو بإيجاز أعرض فيه لمحات عن شخصيته ونظرته من خلال معرفتي وحواراتي معه ومسيرة انطلاقته، إلا أنه لابد من خلال الإشارة إلى حقيقة عشناها وعاشتها أجيال متتالية، وهي وجود رابط جليّ بين الرواد الثلاثة، وتشابه في أسلوب المعالجة، فشكل الثلاثة منظومة متكاملة لعصر رومانسي منفتح رغم كل معاناتهم من  الحاسدين وأعداء النجاح.
فمن منا لم ينتشِ بشعر نزار قباني وقصائده ووصل إلى قمة الطرب بسماع أغانيه، أو لم يقرأ قصص إحسان عبد القدوس ويعجب بأفلامه المثيرة للجدل، أو لم يقرأ روايات غادة السمان ويعش مع شخصياتها؟ من لم يعش هذا العصر الذهبي لم يعرف معنى التقمّص التي تجلى في هذا الإبداع، ويمرّ بتجربة الإثارة، عندما كنا نخفي القصائد والقصص والروايات تحت الوسادة الخالية، خوفًا من مقص رقيب الأهل ونحلم بسيرة الحب.‏








التواضع والخجل والعمق

أبرز ما في إحسان عبد القدوس شخصيته المتواضعة وخجله وعمق التجارب التي عاشها بين مد وجزر، وآلام الحروب التي تعرض لها والدسائس التي حيكت ضده، بسبب الغيرة من انطلاقته وشهرته الواسعة.‏
وأبزر دليل على نجاحه قدرته على الجمع بين النقيضين: الطبقة الأرستقراطية الغنية التي اتهم بأنه لا يكتب إلا عنها، والطبقة الشعبية الفقيرة على مختلف مستوياتها الثقافية والمادية، حيث كانت كتبه الأكثر رواجًا في صفوفها، ليس في مصر فحسب، بل في العالم العربي كله.
وإذا كان إحسان قد أبدع في الرواية والقصة العاطفية والإنسانية فإنه كان أيضًا من المبرزين في العمل الصحفي والكتابة المميزة التي تعتمد على المعارك الوطنية مثل دعوته إلى الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية، مما أدى إلى سجنه مرتين قبل الثورة وبعدها، ولهذا اختلف مع الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان قد قرّبه إليه واعتبره حامل شعلة الثورة، ثم استبعده بعد أن وجده عنيدًا، لا يتراجع عن المبادئ التي ينادي بها، كما اختلف مع الرئيس الراحل أنور السادات بعد أن كان قد أيده في سعيه للسلام وتحرير سيناء‏، وكانت زاويته "على مقهى في الشارع السياسي" بمثابة صورة حيّة ناطقة لصراع الأجيال والحوار الفريد بين جيل الشباب وجيل الكهول.‏
ورغم ذلك يمكن القول: إن إحسان كان يعاني من ازدواجية بين الأصالة والمعاصرة، وبين التزمت والانفتاح، فقد كان ينادي بالتحرر والانفتاح الاجتماعي ورفع الظلم عن المرأة التي عبر عن أحاسيسها، كما كان داعية لرفض التحلل الخلقي، مبررًا موقفه بأنه كان يحاول أن يرفع القناع عن الخطايا، وصولًا إلى مواجهة الحقيقة بلا زيف. 
وعلى عكس ما كانت كتاباته وشخصيات قصصه توحي وكأنه زير نساء أو شاب يقيم علاقات نسائية، إلا أن من عرفه يلمس كم كان أخلاقيًّا ومؤمنًا ويدافع عن نفسه بقوله: "أنا إنسان قدري أتوكل على الله في المطلق بعد أن أبذل أكبر جهد وأقصى مجهود عقلي".‏
كان إحسان عبد القدوس في حياته رجلًا مخلصًا لدرجة أنه كان يسلم كل أموره لزوجته لواحظ المهيلمي التي كانت ترافقه في كل رحلاته، وتعامله باحترام وحنان وكأنه طفلها المدلل، أو كأنها تحاول أن تعوضه حرمانه من أمه "روز اليوسف"، ولهذا وصفها بقوله "إنها الهدوء الذي صان ثورتي، والصبر الذي رطب لهفتي، والعقل الذي أضاء طريقي"، وفي إحدى المرات كنت أبحث معه تفاصيل اتفاق على حلقات جديدة، فقال لي بوضوح "أحب أن أختصر عليك الطريق حدّد ماذا تريد وأنا جاهز.. قصة، مسلسل، خواطر فنية، مقالات سياسية، أما الأمور المالية فهي من اختصاصها".
يمكن تقديم صورة متكاملة ترسم تناقضات حياة إحسان باختصار شديد، تتلخص في تنقله بين نشأته الأولى المحافظة في بيت جدّه الشيخ رضوان، الذي كان ملتزمًا بالتقاليد ومبادئ الدين، بعد طلاق والده المهندس والفنان الروائي محمد عبد القدوس وأمه الفنانة والصحافية المتحررة وصاحبه الصالون الأدبي والتي كانت صديقة كبار الأدباء والفنانين روز اليوسف، وقد وصف هذا التناقض بقوله: "كان الانتقال بين المكانين المتناقضين يصيبني في البداية بالدوار الذهني، حتى اعتدتُ عليه واستطعتُ أن أعد نفسي لتقبله كأمر واقع لا مفر منه في حياتي"‏.
وترجم إحسان هذا التناقض بين رواياته وأبطالها وحياته الشخصية الملتزمة مع زوجته وولديه محمد وأحمد، إلى درجة أنه كان ضد علاقة ابنه أحمد مع الفنانة القديرة نجلاء فتحي، وهو ما فعله أهلها أيضًا، لأنه تزوجها بالسر، وكانا في سن المراهقة.
وبدا التناقض في رواياته وقصصه التي تجاوز عددها 600، وتحوّل 70 منها إلى أفلام ومسلسلات ومسرحيات، وكانت جميعها ترسم ملامح التناقض في المجتمع، ومن بينها: "لن أعيش في جلباب أبي، لا تطفئ الشمس، لا أنام، يا عزيزي كلنا لصوص، إمبراطورية ميم، أبي فوق الشجرة، النظارة السوداء، أنف وثلاثة عيون، دمي ودموعي وابتسامتي، بئر الحرمان، العذراء والشعر الأبيض، البنات والصيف" والأخيرة أثارت ضجة كبرى.‏




أصغر رئيس تحرير

عرفتُ إحسان عبد القدوس كقارئ مدمن على مقالاته في "روز اليوسف"، التي ترأس تحريرها كأصغر صحفي يتولى هذا المنصب بدعم من والدته ناشرة هذه المجلة، وعرفتُ إحسان على طبيعته في أواخر الستينيات، عندما زارني في مكتبي بجريدة الحياة اللبنانية، واستغربت أن يحضر الأديب الكبير بنفسه ليسلم لي رسالة يقول فيها: "الرسالة الصحافية أمانة لا يجوز التفريط بها أو تأخيرها"، وازداد إعجابي به عندما استمعت إلى حديثه ونكاته اللاذعة ورؤيته للأوضاع العربية، وتعدّدت اللقاءات مع إحسان في لندن، وعرفته صديقًا وفيًّا، حيث كان يمثل القاسم المشترك للعمالقة في دنيا الفن والسياسة، وقد غاص إحسان رغم انشغالاته الأدبية في السياسة فدفع ثمنًا مؤلمًا، عندما سجن مرتين، وعوقب عدة مرات لرفضه للرقابة وتمسكه بالحرية.
وقد عثرت مصادفة بين أوراقي على رسالة نادرة كان الأديب الراحل قد بعث بها إلى الرئيس جمال عبد الناصر عام 1955، يدافع فيها عن نفسه، بالنسبة إلى هاتين النقطتين بالذات، ويرد على الضجة التي أثيرت حوله منذ ذلك الحين، ويروي إحسان قصة هذه الرسالة في معرض عرضه للواقع السياسي والاجتماعي في مصر في تلك الفترة، فيقول: "كانت الصحافة أيامها تؤمم وكانت الرقابة المفروضة عليها ثقيلة عنيفة، وكنت أنا صاحب روز اليوسف، وحتى أهرب بنفسي وبالمجلة من ثقل الرقابة قلّصتُ صفحاتها السياسية، وفتحتُ صفحاتٍ أوسع للمواد الاجتماعية والأديبة.. كانت لقاءاتي الشخصية بعبد الناصر تتباعد دائمًا.. لأني غالبًا لا أستطيع أن أساهم في تغطية مطالب المسؤولين، وأصبحت آراؤه الخاصة فيما ينشر في "روز اليوسف" تصلني، إما عن طريق الرقابة، أو عن طريق أصدقاء مشتركين"‏.
يصف إحسان الرئيس عبد الناصر بأنه "كان يبدو متحفظًا إلى حد التزمت في اختيار الكلمة التي تقال والموضوع الذي يبحث حتى خارج مجال السياسة، ولذلك فعندما تعمّدتُ إهمال السياسة والتفرغ للأدب لم أسلم من تزمّت عبد الناصر، ويبدو أن الرئيس كان أيامها يقرأ قصة (البنات الصيف) التي كنت أنشرها في (روز اليوسف)، فأرسل لي عدم موافقته على ما ينشر أو على الأقل عدم رضائه".
رحم الله إحسان عبد القدوس، فقد كان من جيل المبدعين الكبار الذي قارب على الانقراض، مثله مثل القيم والإبداع والتفاني في خدمة الأدب والفن والدفاع عن الأوطان والتعبير عن تطلعات الشعوب.‏

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.