السبت 10 شعبان / 04 أبريل 2020
05:45 م بتوقيت الدوحة

الشاعر الوصّاف

الشاعر  الوصّاف
الشاعر الوصّاف
الليل بيئة الشعراء الملائمة وبقيعهم الخصيب، والتربة الصالحة لنمو أفكارهم وأشعارهم، قلما غفت فيه عيون العشاق مما لاقت من دموع وشجون، ولطالما تقلبوا في المضاجع من سهاد وحداد، وأسهرهم الهمّ والغمّ ومآرب أخرى ... وشاهدُنا في هذه السطور البحتري، وهو الشاعر الوصّاف الذي ينقل لنا تجاربه التي عاشها حق اليقين حتى نراها عين اليقين، ففِيمَ كان عَسسُهُ؟ وكيف كان ليله؟
لم يكن الشاعر ينقف الحصى على نوافذ الحسناوات، ولا كان يناديهن بصفيره ومراسيله، ولا يتسلق إلى الهوادج، ولا يتسلل إلى المخادع، بل كانت ليلته في البادية مكللة بالمغامرة محاطة بالمخاطرة، ولم يكن الذئب الذي اعترضه كذئب الفرزدق موادعاً مهادناً، يجنح إلى السلم مقابل قطعة من الزاد يقدمها الشاعر له، على نقيض ذلك، فقد كان يريد حصته من لحم الشاعر المرّ، فكانت حصته الموت بنصاله، وتبدأ العدسة تصوير مسرح الليل قبل الانتقال إلى الشخصيات:
وليلٍ كأَنَّ الصبحَ في أُخرياتِه
حشاشةُ نصلٍ ضمَّ إِفرندَه غمدُ
تسربلْتُهُ والذئبُ وسنانُ هاجعُ
بعينِ ابنِ ليلٍ ما لهُ بالكرى عهدُ
طواهُ الردى حتى استمرَّ مريرُهُ
فما فيه إِلا العظمُ والروحُ والجلدُ
لله درُّ البحتري! ما بزَّ أحدٌ وصفَه ولا فاق تصويره وتعبيره، لقد أغمد الصباح في قراب الليل، وما مثل الليل الذي يولج الصباح فيه ثم يولد منه، إلا كالسيف مغمور بياضه في ظلمات الغمد، لم يكن هذا الليل ثقيلاً ولا طويلاً على روح الشاعر، بل كان قميصاً من الأنس، وحلة من السكينة تكتنف الشاعر، إلا أنه هجر النوم وبقي على أتمّ اليقظة ترقباً وتحسباً لعدو لا يعرف النوم، وهنا تتجه عدسته الفصيحة بكل رشاقة وطلاقة لتصف ذئب البحتري الذي غالبه النعاس فلم يغلبه، وطال عليه الجوع فلم يتعبه، فكيف يأمن الشاعر هجوعه ولم يسد جوعه؟ وإذا كان السغوب واللغوب مدعاة ضعف ووهن، فإنها عند الذئب وقود للفراسة ومداد للشراسة، فيا له من ليل عصيب على الشاعر حتى نجا، وعلى الذئب حتى هلك!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

عدسة الأعشى

08 مارس 2020

نونيّة الرندي

01 مارس 2020

بصيرة بشّار

23 فبراير 2020