السبت 10 شعبان / 04 أبريل 2020
04:50 م بتوقيت الدوحة

عدسةُ عنترة

عدسةُ عنترة
عدسةُ عنترة
لم يكن امرؤُ القيس قامة شامخة، ولا هامة راجحة، لا قويّ المعصم ولا طويل نجاد السيف، ولا حصة له من مكارم الأخلاق. ولذلك، كانت عدستُهُ تركز في قوة حصانه لا في ذاته، على خلاف عنترة الذي نصحبه هنا في رحلته التي سار فيها مع رهطه ليالي وأياماً آمنين، أَمانُه حدُّ سيفه وهمة نفسهِ، ومناعتُهُ شجاعتُهُ، فكان الحظُّ الوافر من الوصف لنفسه، ولم يبخس الأوابد والمعالم من حوله، ومنها راحلته التي اتخذها لرحلته:
وقدْ سرتُ يا بنتَ الكرامِ مبادراً
وتحتي مُهريٌّ من الإِبلِ أَهوجُ
تريكِ إِذا ولَّتْ سناماً وكاهلاً
وإِنْ أَقبلتْ صدراً لها يترجرجُ
جسّدَ الشاعر طبائع ناقته بعجلتها وإِجفالها وهلع مشيتِها وصوَّرها من دبر، فبدا سنامُها وكاهلُها، ثم صوَّرَها من قُبلٍ فبدتْ لبانُ صدرِها ترتعشُ مع السير، وهذا غاية الحيوية في نقل الصورة والبثّ المباشر للمشهد الذي تبدو فيه أَدقُّ تفصيلاتِهِ ونوافلِهِ. وغير بعيدٍ يعود الشاعر إلى استخدام فعل القافية ذاتهِ في القصيدة ذاتها لوصف معلم آخرَ، فيقول:
أُراعي نجومَ الليلِ وهي كأنَّها
قواريرُ فيها زئبقٌ يترجرجُ
لقد نسفَ جمال هذا الوصف للنجم ما قاله المعريُّ بعد عنترة بقرونٍ، حين شبّه وميض سهيل في السماء بخفقان قلب المحبِّ، إلا أَنَّنا استحضرْنَا صورة النجم على نحو أَصفى منه وأَبهى منه عند عنترة الذي وصف نبض النجوم بزجاجات مملوءة بالزئبق الدائم الحركة، العديم الاستقرار. وهكذا تبدو ليلة عنترة نشيطة مفعمة بالحياةِ، وتبدو عدسة الشاعر سريعة تتناول الناقة من قُبلٍ ومن دبرٍ، وتعكسُ لنا لبانَها الذي يترجرجُ بلا هوادةٍ، ثم تعكس لنا النجم فإِذا هو كذلك يترجرج ببريقه ووميضه بلا انقطاع. فشتّانَ بين ليلٍ تمطَّى فوقَ امرئِ القيسِ بكلِّ ثقله وليل عنترة الذي تسودُهُ الخفة، وربَّما كان التعليل في همة الشاعر التي ظهرت استعظاماً أو استخفافاً بالنواميس من حوله.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

عدسة الأعشى

08 مارس 2020

نونيّة الرندي

01 مارس 2020

بصيرة بشّار

23 فبراير 2020