السبت 27 جمادى الثانية / 22 فبراير 2020
10:51 م بتوقيت الدوحة

الفرصة الأخيرة !

أسامة عجاج

الإثنين، 20 يناير 2020
الفرصة الأخيرة !
الفرصة الأخيرة !
هناك أسباب عديدة لغياب التفاؤل بنجاح ذلك مؤتمر برلين في إيجاد حلّ سياسي للأزمة السياسية في ليبيا، ووضع خريطة طريق لخطوات ذلك الحل؛ اعتماداً على سوابق ووقائع معيشة، لعلّ في مقدمتها مرور جريمة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر دون عقاب دولي، وهي هجومه على العاصمة طرابلس، ومحاولة إسقاط حكومة مُعترَف بها دولياً، رغم أنه بتلك الجريمة أفشل المحاولة الأهم لحوار وطني جامع، من خلال مؤتمر عملت عليه بعثة الأمم المتحدة لشهور، عبر لقاءات عقدتها مع جماعات ليبية مختلفة، تم خلالها الاتفاق على المشاركين من كل المناطق والمدن والقبائل والنخب السياسية، وكان الحوار ليبياً خالصاً، فقط برعاية أممية، وكان يستهدف وضع خريطة طريق تؤدي في نهايتها إلى حلّ سياسي عبر انتخابات برلمانية ورئاسية تحت إشراف الأمم المتحدة. والمريب في الأمر أن المجتمع الدولي تعامل مع ذلك العدوان، إما بدعم من بعض الجهات المعروفة التي شجّعته على القيام بتلك الجريمة، وجهات أخرى تعاملت بصمت مريب، على أمل أن يحسم حفتر المعركة لصالحه خلال أيام -كما وعد- وتبدأ الدول المعنية بالبحث عن مصالحها في ظل حكم عسكري يسهل التفاهم معه.
ولعلّ ما حدث منذ أيام في روسيا، من مغادرة حفتر العاصمة الروسية دون التوقيع على اتفاق تم التوصل إليه عبر وساطة روسية - تركية، نجحت -قبل ساعات من لقاء موسكو- في التوصل إلى وقف للعلميات العسكرية قبل ساعات من وصول الوفدين: حفتر وعقيلة صالح من ناحية، وفايز السراج وخالد المشري من الجهة الأخرى.
ورغم أن مشروع الاتفاق تم إرساله إلى الطرفين قبل المباحثات بيومين، وهي تمثّل فرصة معقولة لدراسته وتحديد موقف منه؛ فإنه طلب مهلة لمزيد من البحث لساعات، تنتهي صباح الثلاثاء الماضي، إلى أن غادر العاصمة الروسية دون توقيع، رغم توقيع الطرف الآخر.
وتردّد أن الجانبين تقدّما بإضافات إلى الاتفاق، ومنها طلب السراج عودة قوات حفتر إلى مواقع ما قبل الهجوم على طرابلس في أبريل الماضي، بينما تحفّظ حفتر على مشاركة تركيا في الإشراف على وقف إطلاق النار، والأهم هنا أنه طالب بجدول زمني لفكّ "الميليشيات" العسكرية الداعمة لحكومة "الوفاق"، وفقاً لتسريبات جماعة حفتر.
ومثل هذا الأمر يحتاج إلى مناقشة لأنه يحمل مغالطة شديدة يتم الترويج لها، رغم أن هناك حقائق يعرفها القاصي والداني -وخاصة الدول المعنية- بأن هناك انقساماً في الجيش الليبي بين جزء داعم لحكومة السراج وآخر منضمّ إلى حفتر وهناك معلومات جديدة كشفت عنها دراسة غربية، أجراها مشروع "Small Arms Survey" (مسح الأسلحة الصغيرة) -وهو مشرع بحثي مستقل مقره جنيف- عن الوضع العسكري في ليبيا بعد شهور من انطلاق عملية حفتر، وكانت من بين الخلاصات التي توصّل إليها، فيما يتعلق بهوية المقاتلين في الجبهتين، وأشارت إلى أن غالبية القوات التي تقاتل ضد حفتر من المجتمعات التي دعمت الثورة ضد القذافي، في حين أن قوات حفتر من الجنوب والغرب تنحدر من المجتمعات التي كانت موالية للقذافي، كما أن القوات التي تحارب حفتر تتألف في معظمها من متطوعين وليست ميليشيا دائمة، ويشكّل الإسلاميون السياسيون عنصراً لا يُذكر من بينهم، بينما يشكّل السلفيون المتشددون عنصراً أساسياً في قوات حفتر.
وعلى المستوى نفسه، كشف مسؤولون في الأمم المتحدة ومراقبون أن قوات حفتر لا تحمل سمات الجيش المحترف الذي تبدو عليه؛ إذ تضمّ عنصراً ميليشياوياً كبيراً غير نظامي يشكّل ما بين 40 % إلى 60 % من إجمالي عدد الجيش، وأيضاً مقاتلين من تشاد والسودان، مع وجود وحدات من المشاة والمدرعات والقوات الجوية والشرطة العسكرية النظامية، مما يعني أن لا صحة للأكذوبة التي يروّجها حفتر عن القوات الداعمة لحكومة "الوفاق".
ولعلّ مؤتمر برلين يمثّل الفرصة الأخيرة للتوصل إلى السلام في ليبيا، ويحتاج إلى توافق دولي حول الحل، ووقف العمليات العسكرية كأساس للذهاب إلى انتخابات برلمانية ورئاسية، وفقاً لدستور متفق عليه، تُشرف عليه الأمم المتحدة، وهو المشروع الذي تأخر كثيراً وأجهضه حفتر نفسه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.