السبت 27 جمادى الثانية / 22 فبراير 2020
09:58 م بتوقيت الدوحة

عندما كانت النصيحة بجمل!

عندما كانت النصيحة بجمل!
عندما كانت النصيحة بجمل!
قالوا قديماً «النصيحة بجمل»، فكان الناس يبحثون عنها ويقطعون مسافات طويلة ويتحملون أخطار الطريق للحصول على المشورة من أهل العلم والمشورة والخبرة؛ لأنها -دون شكّ- من محامد الأخلاق ومحاسن الصفات التي يتحلّى بها الإنسان، ولها دور كبير في توجيه الشخص نحو الصواب، وتأثير كبير في شخصيته وحياته، خصوصاً إن كانت صادقة ونابعة بإخلاص.
اليوم اختلف الأمر؛ إذ أصبح وقع النصيحة ثقيلاً على النفوس وصارت «كلاماً منفّراً وغير مرغوب فيه»، بل إن البعض بات يكره الأشخاص كثيري النصح ولا يحب الجلوس معهم. وكلما امتنع شخص عن إبداء الرأي والنصح كان هو الأقرب والأفضل من غيره لدى الآخرين، حتى ولو كان الناصح صادقاً ومحباً، لتغدو نصيحته ثقيلة وكلامه مزعجاً أو غير محبّب؛ سيّما لفئة تعتبرها انتقاداً أو تدخلاً في الشؤون والخصوصيات».
لقد حوّل «هوس النصح» غالبيتنا إلى ناصحين في مشهد مبتذل، عندما نقوم بنصح آخرين بعدم القيام بأفعال نقوم بها نحن؛ إذ بات هذا الأمر متأصلاً في ثقافتنا، نمارسه تلقائياً دون أن نشعر؛ لأننا نظن أننا نستطيع عن طريق النصح والإرشاد أن نعالج أزماتنا، ونداوي مشاكلنا الاجتماعية على وجه الخصوص. ومع كل إخفاق تتضاعف جرعات الوعظ؛ لأننا لم ننجح في تأسيس منظومة أخلاقية وتربوية ومعرفية توحدنا وتنظم حياتنا، وتجعلنا على مستوى الفرد والمجتمع قادرين على تحمّل المسؤولية وتحقيق التغيير الذي نريده من تلقاء أنفسنا.
مما لا شكّ فيه أن أداء النصيحة، وكذلك حُسن استقبالها، من أخلاق الكبار وأصحاب النفوس الكبيرة، والتي تتجلّى في آثارها الاجتماعية والتربوية والتعليمية، وتنعكس إيجاباً على الفرد والمجتمع؛ لكننا بتنا نفتقد للنصيحة الصادقة، وللصدر الرحب، لتبقى الأخيرة فناً لا يجيده ولا يتقنه إلا القليل من الناس المؤمنين بمقولة: «الدين النصيحة» و»رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي».
ثمة كمّ هائل من النصائح اليومية في القنوات الفضائية وشبكات التواصل الاجتماعي والشوارع وعلى الأرصفة وفي المولات والمنازل والمدارس والجامعات، إلا أن جُلّها غير قادر على إقناع شاب صغير.. لماذا؟ لأنها عبارة عن رغبات وآراء الشخص الآخر الذي يختلف معك ويسدي إليك نصيحة تعكس كبرياء نفس وتعالٍ ليس إلا.
إن أسوأ نصيحة قد توجّه لك هي تلك القادمة من شخص يعتقد أنه أفضل منك وأكثر طهارة؛ لذا يقوم بمحاولة إنقاذك من الخطأ المعشعش في عقله فقط، ويريد إصلاحه، نصيحته غالباً ما تكون مغلّفة بزهو شخصي بطبيعة منفّرة، حتى لو قيلت بأكثر الأساليب لطفاً.
عود على بدء
لم أجد ما أختم به أجمل مما قاله الإمام ابن حزم الظاهري: «وإذا نصحت فانصح سراً لا جهراً، وبتعريض لا تصريح، ولا تنصح على شرط القبول منك. فإن تعدّيت هذه الوجوه، فأنت ظالم لا ناصح، وطالب طاعة وملك لا مؤدي حق أمانة وأخوة».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

صنع الطواغيت

10 فبراير 2020

ضبط نشوة النصر!

27 يناير 2020

«لا تنسَ أن تعيش»!

13 يناير 2020