السبت 10 شعبان / 04 أبريل 2020
06:33 م بتوقيت الدوحة

عدسة امرئ القيس

عدسة امرئ القيس
عدسة امرئ القيس
ليس في الوقت متسع للتجول مع الشعراء في كل حلٍّ ومرتحَل، ولا اقتفاء أثرهم إلى كل ربع وطلل، ولا مشاهدة كل أرشيفهم الوصفي، وغاية الممكن أن نخطف بقعة من ذلك الضوء، ونستدعي لقطة من تلك الملحمة، وعروة من سلسلة السيرة الأدبية، لن نطيل كما أطال امرؤ القيس يوم استوقف أَصحابه للبكاء في الرسوم الدارسة، وآثار الديار المهجورة، ولن نستغرق كما استغرق في وصف الليل والخيل، وبيضة الخدر التي زارها واصطحبها معه إلى لهوه، بل سنقتصر على قليل من كثيره، وأجزاء من مجموعه، فلنبدأ من حيث بدأ بمشهد لافت في الأطلال، لم يتنبه إليه كثيرون:
ترى بعَرَ الآرامِ في عرَصاتِها
وقيعانها كأَنه حَبُّ فلفلِ
كأن أحبته حديثو عهد بالظعن، ولم يمضِ على رحيلهم كثيراً، بدلالة روث الأنعام الذي احتفظ بشكله حتى مرور الشاعر، لم تفتّته الأمطار، ولم تشتته الرياح، وما زال متماسكاً كحَبّ الفلفل.
ولإن كنا بصدد وصف مخلفات الأنعام، فنحن على مقربة من وصف الشاعر لحصانه الخارق، الذي لا يدركه الرائي لسرعته، ولا يميز كرَّهُ وفرَّه، فهو كالجلمود الذي يهوي بثقل الجاذبية.
وهنا تجنَحُ عدسة الشاعر إلى علم الفيزياء، ومن ثم تجنح إلى علم الكيمياء، حينما يشبّه حمحمته وشهيقه وزفيره بغليان المرجل، فيقول:
على العِقبِ جياشٍ كأَن اهتزامَه
إِذا جاشَ فيه حَميُهُ غليُ مِرجلِ
وهو وصف فائق الإتقان للخيل بعد شوط من العَدْو، وهو الضبح الذي نصّت عليه الآية الكريمة من قول ربنا: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: 1].
وأخيراً، نجمل مشوار الشاعر بالتوقيت الذي سرى فيه إلى لهوه، حيث كانت وحدة الوقت في النهار الظل بين مُنقبِض وممدود، وفي الليلِ النجوم بين خُنّس وكُنّس، فقال:
إِذا ما الثريا في السماءِ تعرضتْ
تعرُّضَ أَثناءِ الوِشاحِ المفصَّلِ
لقد بدتِ الثريا في ذلك الوقتِ على لوحة السماء لعين الشاعر، كما تبدو التطاريز على ثوب من الحرير لعين الناظر، وقد بدا لنا كلا المشهدين من خلال عدسة امرئ القيس.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

عدسة الأعشى

08 مارس 2020

نونيّة الرندي

01 مارس 2020

بصيرة بشّار

23 فبراير 2020