السبت 27 جمادى الثانية / 22 فبراير 2020
09:55 م بتوقيت الدوحة

«التاء المحذوفة» في ملف إيران النووي!

«التاء المحذوفة» في ملف إيران النووي!
«التاء المحذوفة» في ملف إيران النووي!
كانت أبرز ردود فعل طهران على القصف الأميركي لمطار بغداد، والذي أسفر عن مقتل الجنرال قاسم سليماني -قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني- فجر الجمعة 3 يناير الحالي؛ الإعلان عن أن طهران لم تعد «مُلزَمة» لا «مُلتزِمة» بالاتفاق النووي مع القوى الغربية عام 2015.
«التاء» التي حذفتها طهران في الإعلان عن موقفها الجديد، الذي يمثّل الحلقة الخامسة من حلقات الرد الإيراني على انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الذي وقّعته إيران مع الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الكبرى في عام 2015؛ أظن أن هذه «التاء» ربما تُعدّ أهم وأثمن حرف أبجدي في مفردات السياسة في منطقة الشرق الأوسط لعقود طويلة مقبلة؛ لأنه عندما تعلن طهران أنها لم تعد «مُلزَمة» بالاتفاق، فإنها لا تقول إنها سوف تنسحب تماماً منه، أو أنها لن تقبل ولاية وإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية على منشآتها النووية، وإلا لكانت أعلنت أنها لم تعد «ملتزمة» بهذا الاتفاق.
ورغم أن الفارق بين «الإلزام» و«الالتزام» هو فقط حرف التاء، التي هي بمثابة الشعرة الدقيقة، فإنها بالغة الأهمية وتتناسب مع درجة حساسية الموقف الذي لا يحتمل أي لبس أو التباس في الفهم أو أخطاء في التفسير. طهران تتعامل مع ملفاتها الدولية بكل دقة واهتمام، خصوصاً في الملف النووي، وهي تستفيد بتفاصيل ما حدث من تجارب مريرة مع العراق.
عالم الذرة العراقي الدكتور نعمان النعيمي، الذي يُعدّ واحداً من أهم وأكبر العلماء العراقيين في مجال الطاقة النووية وأحد الخبراء العرب القلائل في مجاله، يقول في حوار صحافي نادر لجريدة «الرياض» السعودية نُشر في 24 يناير 2006: «عندما كنت على رأس اللجنة العراقية لمجابهة فرق التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في الفترة بين مايو إلى يوليو من العام 1991؛ حيث كان استعلاء المفتشين الدوليين كبيراً إلى حد الإهانة، لم يكن بالإمكان إخفاء المعدات الكبيرة المستخدمة في البرنامج النووي العراقي؛ لذا قام حسين كامل (صهر الرئيس العراقي صدام حسين) بنقلها وإخفائها في مزارع وبساتين خاصة به، وذلك على مسؤوليته الشخصية. وكانت هذه المواقع مصوّرة بالكامل بالأقمار الاصطناعية، وجاء كل من هانز بليكس -وكان حينها رئيساً للوكالة الدولية للطاقة الذرية- ورالف إيكيوس -رئيس لجنة التفتيش الدولية (إنسكوم)- إلى بغداد وأجبروا القيادة العراقية على السماح للمفتشين بدخول هذه المواقع التابعة لحسين كامل، وبيّنت الصور وجود المعدات، وحينها قام الرئيس صدام حسين بإصدار أوامر بتدمير معدات البرنامج النووي كافة وكل شيء متعلق به، من دون إشراف لجان المراقبة على عملية التدمير، وهو ما جعل الأخيرة تنكر معرفتها بالأمر، وعدم إقرارها بأن العراق تخلّص من برنامجه النووي، وكان تصرفاً خاطئاً من قِبل النظام العراقي السابق وغير منطقي»، حسبما قال. كان هذا فقط أحد الأخطاء العراقية في التعامل مع هذا الملف الحساس دولياً وإقليمياً، ويجب أن نذكر هنا أن طهران لا تتعامل بالعشوائية التي تعامل بها العراق مع هذا الملف؛ لذلك لا يزال الملف النووي الإيراني مطروحاً على أجندة العمل الدولي، ولا تزال طهران تحافظ على مواردها الوطنية وثروتها وجهود أبنائها وشعبها في هذا المجال، وغيره من المجالات.
بالتأكيد؛ فإن هذا لا يعنى أبداً أن طهران يمكن أن تنجح أو تنجو من التربص الأميركي والغربي ببرنامجها النووي وقدراتها العسكرية ونفوذها الإقليمي، أو حتى نظامها الحاكم؛ لكنها في الحقيقة تبذل أقصى ما في وسعها بكل ثبات وهدوء وتركيز وصبر. وبالتالي، قد يكون من المفيد أن يتعلّم العرب من تجربة إيران، كما استفادت طهران من التجارب الفاشلة للعرب في المجال النووي، وكيف يتم إجهاض المشاريع النووية العربية بواسطة الكيان الصهيوني أو الغرب الأوروبي والأميركي بكل بساطة وسهولة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.