الأربعاء 03 جمادى الثانية / 29 يناير 2020
09:44 ص بتوقيت الدوحة

مستقبل الصراع الأميركي - الإيراني بعد أزمة سليماني

مستقبل الصراع الأميركي - الإيراني بعد أزمة سليماني
مستقبل الصراع الأميركي - الإيراني بعد أزمة سليماني
ما زالت المقاربة الواقعية في العلاقات الدولية تثبت نجاحها ومصداقية فرضياتها، ففي حالة الأزمة الأميركية الإيرانية الأخيرة يعلم الجميع أن الصراع بينهما هو على المصالح، وليس تنافساً على الفضيلة، وهي إحدى الفرضيات الواقعية، وكذلك احترام القوة العسكرية والقدرات التدميرية المتبادلة هي من أهم منطلقات الواقعية، وفي الحالة الأميركية الإيرانية تملك الولايات المتحدة القدرة على سحق نصف العالم مع إيران، وبالطبع تملك الأخيرة مع الأسف القدرة على تحطيم المعبد «الإقليم» ومن فيه، ومع ذلك وبعد أزمة اغتيال سليماني، اختارت إيران الرد المباشر والمحدود والمدروس بعناية، فإذا كان القائد الإيراني سليماني يحمل رمزية معينة عند الإيرانيين، فإن القواعد الأميركية لها رمزيتها ومكانتها، ولذلك تم استهدافها، ولو كان الرد الإيراني كبيراً وغير مدروس ضد الولايات المتحدة ربما سيسقط ترمب بالانتخابات المقبلة، وسيتأثر الوجود الأميركي في المنطقة، ولكن العواقب كانت ستصبح مدمرة على إيران.
ومن جهتها، سمحت الولايات المتحدة بضرب قواعدها علناً أمام العالم أجمع، ولم ترد عسكرياً لعلمها أن الانجراف إلى حرب كبيرة دون تهديد جدّي وكبير لمصالح أميركا، لن يسمح به الشعب الأميركي وممثلوه في الكونجرس، خاصة بعد تجربة عقدين من الحروب المكلفة في منطقة الشرق الأوسط، وهذا بالضبط ما تقوله الفرضية الثالثة والمهمة في المقاربة الواقعية وهي «أن منطلق سلوك الدول مبني على أساس عقلاني». يبدو أن الطرفين إيران‬ والولايات المتحدة أبقيتا التصعيد العسكري في حدوده المقبولة من الجميع، وكان العراق‬ هو مكان تبادل الضربات الجوية، وسيبقى الساحة الرئيسية لصراع النفوذ بين الاثنين حتى إخراج أحدهما. هناك من يؤكد أن «الرد الإيراني على اغتيال سليماني مُتفق عليه»، كما تشير قناة «السي. أن. أن» وجريدة «التايمز»، وأن طهران قد أبلغت العراق «أي القواعد العسكرية ينبغي تفاديها»، وأن بغداد بدورها أبلغت واشنطن بالأمر، وبذلك أصبحت عملية التقاط صور نيران الصواريخ الإيرانية المطلقة أكثر سهولة.
مع افتراض صحة ذلك، فكيف طأطأت أميركا‬ رأسها وسمحت لإيران‬ بضربها؟ أليس في ذلك إهانة كبرى لدولة عظمى وللرئيس ترمب‬ شخصياً؟ والذي وفقاً لطرحهم طلب من إيران‬ أن تضربهم، ولكن بشرط ألّا يكون الضرب مبرحاً!
ألم يظهر ترمب للإعلام في اليوم التالي بعد القصف الإيراني، وكأن شيئاً لم يكن، لم يهدد ولم يشعر بالإهانة ولا حتى بالإحراج، ولم يتوعد الإيرانيين عسكرياً، بل أكّد أن خياراته الوحيدة هي العقوبات الاقتصادية، في رسالة واضحة للإيرانيين بنيته عدم التصعيد وتفضيله الحوار معهم.
أليس كل تلك التنازلات أو الإهانات لأميركا كانت نتيجة قتلها لرجل واحد تقول عنه إنه إرهابي؟! فكيف لها لو قامت الولايات المتحدة بعملية أكبر من ذلك ضد إيران؟
ختاماً: المعركة الحاسمة في الصراع الأميركي الإيراني هي العراق، من الذي سيسيطر عليه ويخرج الآخر؟ إن الخطر الذي يتهدد الأميركيين ليس قوات الحشد بل البيئة الحاضنة للأميركيين في العراق، يعلم الجميع أن البيئة الحاضنة للقوات الأميركية في العراق قطعاً كانت البيئة الشيعية وليست السنية، فالأخيرة قد ذاقت الأمرين من القوات الأميركية وحلفائهم في بداية الغزو الأميركي للعراق، وأثناء الحملة الدولية ضد داعش، هذه البيئة الشيعية بالرغم من أنها منقسمة على بعضها بين مؤيد للإيرانيين ورافض لهم، لكنهم حتماً يتفقون على استقلالية العراق عن محاور الصراع، إذن لا أحد يرغب بالأميركان إلا الأكراد، وهم في نهاية الأمر يتبعون للحكومة العراقية المركزية.
الخلاصة: أي حل يتوصل إليه الأميركان والإيرانيون لخلافاتهم الرئيسية كالنووي الإيراني، فإنه سيكرس الاستقرار بالمنطقة، وسينتج عنه تقاسم النفوذ في داخل العراق، وأما إذا لم يتفقوا فلا استقرار بالمنطقة، وسيكون العراق أرض المعركة للأسف.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.