السبت 16 رجب / 23 مارس 2019
10:00 م بتوقيت الدوحة

من الحياة

طعم السنين

طعم السنين
طعم السنين
رمضان كريم، ها قد أتى رمضان آخر، هذا الشهر الفضيل الذي يحتل مكانة عظيمة في قلب كل مسلم، ولكن ألم يرحل رمضان السابق منذ شهور قليلة؟ ألم نكن نشتري ثياب عيد الفطر الماضي لأطفالنا منذ شهر أو اثنين؟ ألم نكن نطبخ اللحم والثريد في عيد الأضحى الماضي منذ أسابيع قليلة؟ هل مر كل هذا الوقت حتى جاء رمضان آخر؟ لماذا أصبح الوقت يمر بهذه السرعة؟ سؤال يتبادر إلى ذهني كلما مر شهر أو أسبوع وجاء آخر، كلما اقترب أحد الأعياد أو المواسم، فإذا تشاركته مع أحد الأهل والأصدقاء يأتيني تأكيدهم لما أشعر به، فالأيام في زمننا هذا تجري بسرعة مجنونة، والوقت قد انتزعت منه البركة فلا يكفي لفعل ولو نصف ما نحتاج إلى فعله. ولأني أحب أن أفهم سبب كل شيء وأتعمق فيه، كان لا بد أن أفكر وأفكر محاولة أن أفهم السبب، فكانت ثورة الاتصالات التي حولت العالم إلى قرية صغيرة أول ما تبادر إلى ذهني، ربما يثير هذا تعجب البعض، فمن المفترض أن سهولة الاتصالات يجب أن تسهل كثيرا من الأمور وتوفر كثيرا من الوقت لا أن تضيعه، ولكن لنتعمق قليلا بعد، ربما نحن الآن في مجالات العمل مثلا نستطيع الحصول على معلومة باتصال تليفوني حتى ولو جاءت هذه المعلومة من قارة أخرى في أقصى الأرض، ونستطيع تسيير الأمور مع عملاء وزملاء وفروع في بلدان متعددة عن طريق البريد الإلكتروني، ونستطيع عقد الاجتماعات والدورات التدريبية بين أشخاص في أماكن متعددة في العالم عن طريق الـ «فيديو كونفرانس»، ولكن كل هذا كان له مردود آخر سلبي، فلأن كل هذه الوسائل قد صارت متاحة أمامنا لتسريع العمل، أصبح المنتج النهائي مطلوبا منا في وقت أقل، بل ربما أقل جدا من المطلوب للحصول على جودة مقبولة، سواء كان هذا المنتج جريدة أم رسما هندسيا أم قطعة أثاث أم حتى كوبا من البلاستيك، فالسوق لا ترحم وإذا لم نزودها نحن بمنتجنا أيا كان نوعه، فهناك العديد من المنافسين يتحرقون لفعل ذلك. أذكر أني بداية عملي كان يتاح لنا وقت كاف لإعداد تقاريرنا ودراسة كل البيانات، وكنا نحدد وقت الانتهاء قبل موعد التسليم النهائي بأربعة أو خمسة أيام، فقد كنا في منتصف التسعينيات والبريد الإلكتروني في بداياته في مصر، ورغم أنه كان متاحا لنا، إلا أن سعته المحدودة لم تمكننا من استعماله لإرسال «منتجنا» إلى البلدان الأخرى، وكان لا بد من إعداد نسخ ورقية وإلكترونية على (سي.دي) وإرسالها بالبريد السريع أو مع أحد الزملاء الذين يتصادف سفرهم، أو مع رسول يسافر خصيصا لتسليم «منتجنا» إذا كان ذاهبا إلى مكان لا تشمله خدمة البريد السريع وقتها ولا يتصادف سفر أحد الزملاء إليه! ينطبق هذا أيضا على كل المجالات وليس العمل فقط، فهناك الآن من يتعارفون على الإنترنت ومن يبحثون عن زوج أو زوجة على الإنترنت، أصبح كل شيء مطلوبا بسرعة وعلى أعلى مستوى من الجودة الظاهرية، ولا يهم إن كان غير صالح فعليا، فالطفل في المدرسة يجب أن يدرس ويتقن ثلاث لغات في نفس المدة الزمنية التي كان فيها أقرانه في الماضي يكتفون بتعلم لغتهم الأم فقط، والمراهق والمراهقة صارا يجب أن يقتنيا كثيرا من الملابس من الماركات العالمية و «لاب توب» و «آي بود» وهاتفا جوالا من أحدث طراز أو «بلاك بيري» وربما «آي باد» أيضا، وهما ما زالا في المدرسة الإعدادية أو حتى الابتدائية، بل ويجب أن يغيراها باستمرار ويشتريا الطرازات الأحدث، تحولنا إلى حضارات مستهلكة نطبق النمط الغربي في الحياة، وهو لا يليق بنا، فالغرب ينتج ويستهلك أما نحن ففي الغالب نستهلك فقط. كانت الأمور أكثر صعوبة في الماضي الذي ليس بعيدا جدا، كانت الخيارات المتاحة لأية سلعة أقل، لكن الوقت كان أكثر بركة، وكنا نحصل على ما نريد منه لإنجاز أعمالنا على النحو الذي يرضينا ويضمن عدم حدوث أخطاء قد تكون لها عواقب سيئة، لم نكن نتلقى اتصالات تطلب معلومات أو تقارير فإذا سألنا عن موعد التسليم يجيء الرد: أمس الأول، بمعنى «أعطني أي شيء في أقرب وقت ممكن، حاول أن يكون جيدا ولكن إذا لم يكن فلا تشغل بالك كثيرا»، لم نكن نعمل في ثلاثة أو أربعة أو خمسة «منتجات» يجب تسليمها كلها في أيام قليلة، لم نكن نقضي وقت فراغنا كله نجول في الأسواق لنشتري هذه أو تلك من السلع التي لا نحتاجها، أو أمام التلفاز نتنقل من قناة إلى أخرى دون أن نركز في أي مما يعرض، فنحن مشغولون بالكلام في الهاتف أو المراسلة على البلاك بيري أو تصفح الإنترنت أو الحديث على الفيس بوك، لم نكن كعائلات نوجد كلنا في بيت واحد، ولكن كل منا بمفرده أمام جهاز أو أجهزة الاتصالات الخاصة به أيا كان نوعها. لقد غيرت ثورة الاتصالات وانفتاح مجتمعاتنا والنمط الاستهلاكي كثيرا من الأشياء في حياتنا، بعضها للأفضل وبعضها للأسوأ، ولا أبرئ نفسي، فأنا مذنبة مثل الجميع بالإفراط في الشراء أحيانا، وبالإفراط في استعمال الإنترنت، وأحاول تدارك الأمر، فهل فات الوقت بالنسبة لنا كمجتمعات لنحاول الحفاظ على روحنا وصلاتنا «البشرية» لا «الإلكترونية» مع أسرنا وأحبائنا، والتقليل من الاستهلاك إلا في الضروري؟ أتمنى ألا يكون الوقت قد فات، فالساعة تدق والثواني تتجمع لتكون دقائق وساعات وأياما وسنوات تمضي من أعمارنا دون أن نحس بطعمها ولا تعود، فعلينا أن نفكر جديا ماذا نفعل بها، لأن الله سيحاسبنا عليها حين نلقاه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الآخرون

19 نوفمبر 2011

عيون زرقاء

12 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (2)

05 نوفمبر 2011

الإشارات الإلهية (1)

22 أكتوبر 2011

بين السطور

15 أكتوبر 2011

المقياس

08 أكتوبر 2011