الأحد 02 صفر / 20 سبتمبر 2020
10:26 م بتوقيت الدوحة

الشعراء والدهر

الشعراء والدهر
الشعراء والدهر
كانت الساعات القصيرة تطول بأبي فراس في سجنه، ويضيق بها ذرعاً، وكانت الليالي تطول بالمتنبي مع حُمّاه وبلواه، فتستثقلها نفسه، فيبوح شعره بألمه، وكانت هذه الليالي لا تستغرق إلا سكرة وصحوة في موازين أبي نواس، وبرهة وختلة في موازين عمر بن أبي ربيعة، وهكذا هو الدهر في عدسات الشعراء، منهم من يصوّره بطيئاً متثاقلاً، ومنهم من يصوّره سريعاً عابراً، وما ذاك إلا لأن فريقاً منهم تحشرج وتنغّص بمعيشته فثقُلت عليه، واستبطأ مضيّها، وفريقاً آخر استمتع بحياته، فمرّت عليه سريعاً حتى شعر بالغُبن وبالفوت وذهاب الشباب وقرب الموت، فطول الوقت وقصره لا يحسب حسبة واحدة عند الفرِح والمهموم، بل لكلٍّ منهما حسبته الخاصة التي تتواءم مع طبيعة ظرفه، وحال إحساسه ومشاعره، وذاك المتنبي الذي صوّرت عدسته ليله المترنح مع الحُمّى، يصوّر لنا تسارع ذلك العهد الذي قضاه في صباه، قائلاً:
ذكرْتُ بهِ وَصْلاً كأَنْ لم أَفُزْ بِهِ *** وَعَيْشاً كأَنّي كنتُ أَقْطَعُهُ وَثْبا
ما أسرع ما قضى ذلك العهد، وتعدّى تلك الآونة! هكذا تمرّ أيام السعد وفترات الرخاء، سرعان ما تتحول عن صاحبها أو يتحول عنها، ذهبت أيام الوصل بحلاوتها وهناء عيشها كأنها لم تكن من قبل، وكأنه كان يقفز فوق تلك المراحل ويمرّ بها مرور الكرام، لينتهي به المطاف إلى المشيب والآلام والأسقام، وفي مثل هذا يقول عنترة:
وظلَّ هواكِ ينمو كلَّ يومٍ *** كما ينمو مشيبي في شبابي
لقد استفحل حبّ عبلة في روحه، وتمكّن من فؤاده كما تفاقم الشيب على حساب الشباب، وقد اختار الشاعر هذا القياس لعلمه أن ليس هناك أعجل من زوال الشباب إلى الكهولة، وأفول بدر التمام، ليعود كالعرجون القديم، وذبول ربيع العمر وحلول خريفه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

عدسة أبي العتاهية

05 يوليو 2020

ليالي النابغة

28 يونيو 2020

جنّة أبي تمّام

21 يونيو 2020

أبو أُذينة اللخميّ

14 يونيو 2020

عدسةُ ابن خفاجة

07 يونيو 2020

المنيّة

31 مايو 2020