الخميس 03 رجب / 27 فبراير 2020
05:50 م بتوقيت الدوحة

ماكس والجاغور

لطيفة المناعي

الثلاثاء، 31 ديسمبر 2019
ماكس والجاغور
ماكس والجاغور
ماكس فتى ألماني وجد نفسه في قارب صغير وسط المحيط، ويشاركه في ذلك القارب جاغور، وباي فتى هندي وجد نفسه في قارب صغير وسط المحيط، ويشاركه في ذلك القارب نمر.
الحكايتان نسخ متطابقة، فهل نحن أمام توارد أفكار؟ لكن هل توارد الأفكار يصل إلى حدّ التطابق؟ أم أن هناك لبساً وخطأ وقع فيه الناشر أو المترجم؟ بالتأكيد لا، لم يحدث، لأن الأسماء في الروايتين مختلفة، وأيضاً نوع الحيوان مختلف، إذاً ماذا حدث؟ وكيف حدث هذا التطابق؟
الموضوع باختصار وببساطة، أنها سرقة الفكرة الرئيسية وبناء حكاية عليها، مع بقاء الموضوع الرئيسي والحبكة كما هي، حيث قام الروائي يان مارتل بكتابة رواية حياة باي، مستنداً على فكرة رواية ماكس والقطط، ودون أن ينوه في الطبعات الأولى من روايته بمصدر تلك الفكرة، ولكن وضح ذلك بشكره للروائي مواسير سكلير في الطبعات اللاحقة.
وهنا سوف أرجع إلى الرواية الأصلية، وهي ماكس والقطط من تأليف مواسير سكلير، وترجمة أماني لازار، ونشر دار الخان للترجمة والنشر، وهي حكاية الفتى الألماني ماكس، الذي يخاف من النمور والأسود، وتقوده الظروف والحوادث إلى الهرب من النازية، وفي أثناء هروبه يجد نفسه في ورطة، حيث يتواجد في قارب صغير في مواجهة مع جاغور، وفي عرض المحيط، ولكنها قد تكون هلوسات، واجه خلال تلك الهلوسات مخاوفه، بعد ذلك حيث يسافر إلى البرازيل ويعيش حياته ويكوّن أسرة، وتظل أشباح الماضي المخيف تلاحقه، ولكنه هذه المرة يواجهها لأنه تعلم مواجهة مخاوفه عندما كان وحيداً في القارب مع الجاغور، ولذلك عندما تقترب حياته من نهايتها، يعود مرة أخرى إلى القطط.
هذه الرواية بالرغم من صغر حجمها، حيث تقع في 112 صفحة، فإنها تحمل فكرة رائعة، ألا وهي مخاوفنا، فكلٌّ منّا له مخاوف، ويكذب على نفسه من يعتقد أنه يعيش بلا مخاوف، فطبيعة الحياة تفرض علينا كل ذلك، لكن الروائي هنا يقترح علينا أمراً بسيطاً، ألا وهو عدم السماح لهذه المخاوف أن تحتل جزءاً من حياتنا حتى لا تصبح جزءاً منّا، وجسّد ذلك من خلال انفراد ماكس مع الجاغور في القارب، ومواجهته له وتعامله معه، لذلك إذا عدنا مرة أخرى إلى أنفسنا وجدنا أن هروبنا الدائم من تلك المخاوف لا يعني أنها سوف تبتعد عنّا، هي موجودة وتنمو داخلنا، لكننا نحن الذين نتجاهلها، لذلك فإن المواجهة وفهم تلك المخاوف هي الحل للتعامل معها والتغلب عليها.
إن مثل تلك الروايات تثبت كم أن ذلك الفن عظيم، ومهم في حياتنا، الرواية تعري وتحلل النفس البشرية، هي كل العلوم بعيداً عن التنظير، هي حياتنا تمر أحداثها أمامنا، أو حياة غيرنا نتأملها ونتعلم منها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

لكل حكاية وجهان

18 فبراير 2020

رسالة إلى زميلتي الأم

11 فبراير 2020

عندما يكتمل القلب

04 فبراير 2020

رسالة إلى معرض الكتاب

21 يناير 2020

الكتابة عن الكتابة

14 يناير 2020

العطاء ثم العطاء

24 ديسمبر 2019