الخميس 03 رجب / 27 فبراير 2020
04:37 م بتوقيت الدوحة

ليلةُ الحمّى

ليلةُ الحمّى
ليلةُ الحمّى
سرَينا في مسرى الشعراء، وعسسنا معهم في عسسهم، وعشنا لياليهم المنصرمة عبر عدساتهم وتواتر كلماتهم، التي هيّأت لنا حضور تلك الحفلات والمغامرات التي لم تُقدَّر لنا بالخُطى، فقُدِّرتْ لنا بالرؤى، لم نطأ فيها وادياً، ولم نعبر مفازة، ولم نطلق سهماً، ولم نطاعم ذئباً، ولكننا شاهدنا ذلك المسرح بكل أبعاده وتلفتنا بين تلك المشاهد، وتبصّرنا بكل تلك التفاصيل، وجلسنا على مَدرَج التمثيل بقسيمة الكلمات وقراءة الأخبار وعدسات الأشعار... ولا يحسُن بنا الخروج قبل ليلة مؤلمة مع شاغل الدنيا ومالئ الناس أبي الطيب المتنبي، وبالطبع فهي «ليلةُ الحمّى» زائرة الظلام، وحاملة السقام، وناخرة العظام، وقد بدأ الشاعر وصفها مبدعاً، وانتهى متألقاً:
وزائرتي كأَن بها حياءً
فليس تزور إِلا في الظلامِ
إنها طبيعة المرض وبيولوجيا الأسقام التي تستضعف الجسم عند استرخائه وتخترقه عندما يطفئ مشاعل الحراسة، ويفكّ استنفار المناعة، ويسلم القياد إلى النوم، إلا أن المتنبي اغتنم منها فرصة لوصف رائع، فكأن الحمى عاشقة حييّة وقورة، تتحيّن الظلام لزيارته، فلا يراها الطرّاق، ولا تكثر فيها قالة الناس، ثم ينتهي الوصف بتهكّم الشاعر على طبيبه الذي يناصحه في المأكل والمشرب، ويغفل عن أصل بلائه ومنبت دائه، فيقول:
وَمَا في طِبّهِ أَنّي جَوَادٌ
أَضَرَّ بجِسْمِهِ طُولُ الجَمَامِ
تَعَوّدَ أَنْ يُغَبِّرَ في السّرَايَا
وَيَدْخُلَ مِنْ قَتَامٍ في قَتَامِ
فأُمْسِكَ لا يُطالُ لَهُ فيَرْعَى
وَلا هُوَ في العَليقِ وَلا اللّجَامِ
والحال أن انقطاع هذا الجواد عن خوض الغمار، وشقّ الغبار، وركوده بعد فوراته، وخموده بعد ثوراته، هو ما أضرّ به، وأنهك قواه وأخرجه عن نصابه، وقد دقّ الوصف، وحَلَت الصورة وجَلَت، عندما وصف حاله بصورة الجواد الذي عقله صاحبه، فلا ترك الرسن له طويلاً فيصل إلى مرعاه، ولا علّق له دلو الطعام في رأسه، في إشارة منه إلى أن الجواد هو الشاعر، وأن المراعي ساحات معارك، وميادين نزال.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

بصيرة بشّار

23 فبراير 2020

الشنفرى

16 فبراير 2020

البحتري وبركة المتوكل

09 فبراير 2020

الشاعر الوصّاف

02 فبراير 2020

عدسةُ عنترة

26 يناير 2020

عدسة امرئ القيس

19 يناير 2020