السبت 27 جمادى الثانية / 22 فبراير 2020
10:14 ص بتوقيت الدوحة

الشاعرُ الأَسيرُ

الشاعرُ  الأَسيرُ
الشاعرُ الأَسيرُ
كم تظلَّم الشعراءُ في قصائدِهم من الليل، وكم بكى باكٍ فيه شجوَه، وشكا شاكٍ بثَّه وحزنَه، وكمْ نفثَ أَحدُهُم غلواءَ صدرِه وزفراتِه، وكم أَجرى حرّى دموعِه على صدرِ الليل الرحب. وفي هذا السياق، نبقى مع الشاعرِ الأَسير الذي تُرك لليالي الطويلة، تفعلُ به ما تشاء، ليس له حيلة في سجنِه الرومي إِلا أَن يُسلمَ زمامَه ليدِ الظلامِ المستبدة، ويُنيخَ ظهرَه لسياطِ الليالي الظالمة، فلِلّيلِ ما شاءَ أَن يفعل به، وليس له إِلا الأَنينُ والحنينُ وإِطلاقُ الأَصواتِ التي طال بها الوقتُ قبل أَن تَلقى أُذناً صاغيةً، وصريخاً مُجيباً، وما أَشبهَ هذا الشاعر بذي النونِ عليه السلام، الذي التقمَه الحوتُ فنادى ربَّه في ظلماتٍ ثلاث؛ ظلماتُ الأَسرِ، والسجنِ، والليلِ، تجثمُ على فؤادِه المثقلِ، وجسدِه المُكبّلِ، وينادي من تحت وطأتِها أَميرَه وابنَ عمِّه سيفَ الدولة، ويناشدُ فيه الرحمَ والواجبَ لاستنقاذهِ من هذه المحنة وانتشالِه من هذه الغَيابة. وفي حياتِه البطيئة الطويلة داخلَ السجن، لم يكن أَصفى منه عدسةً، ولا أَعذبَ منه عبرةً، ولا أَرقَّ منه قصيدة:
وأَسرٌ أُقاسيه وليلٌ نجومُه
أَرى كلَّ شيءٍ غيرَهن يزولُ
تطولُ بي الساعاتُ وهي قصيرةٌ
وفي كل دهرٍ لا يسرُّكَ طولُ
تشبهُ هذه النجومُ نجومَ امرئِ القيسِ التي علّقها بحبالٍ من الكتانِ إِلى جلاميدِ صخرٍ كبيرة، وينتقلُ الوصفُ مع أَبي فراس إِلى عتَبة الفلسفة حينما يختلجُ معه الزمنُ، وتختلفُ وحدة قياسِ الوقت، فتطولُ وهي قصيرة في آنٍ واحد. ولعل ساعة واحدة يستحضرُ فيها خيباتِه وأَشواقَه وعذابَه حتى تكونَ عليه سرمداً ليس له انقضاء ولا انتهاء، من حيث إن هذه الساعة ذاتَها مرّتْ كطرفة عينٍ على غيره. والثابتُ أَن أَقوالَ الشعراءِ محكومٌ عليها بميزانِ التجرِبة، فمن لقِي من الليلِ عنَتاً ونصباً أَشدَّ مما لقيَه أَبو فراس، فليأتنا بقولِه، وكلّنا آذانٌ صاغيةٌ.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الشنفرى

16 فبراير 2020

البحتري وبركة المتوكل

09 فبراير 2020

الشاعر الوصّاف

02 فبراير 2020

عدسةُ عنترة

26 يناير 2020

عدسة امرئ القيس

19 يناير 2020