الخميس 27 جمادى الأولى / 23 يناير 2020
05:57 م بتوقيت الدوحة

النعمان.. وصكّ الغفران

النعمان.. وصكّ الغفران
النعمان.. وصكّ الغفران
لم ييأس النابغة الذبيانيّ في ليله الطويل من بارقة أمل بصبح، ولم يفلس وهو في متاهة خوفه من حسن ظنّه بعفو النعمان عنه، فأشعل ليلته بالرجاء، واشتغل على خوفه باستدرار شفقة مليكه، ومخاطبة جانب العظمة عنده، واستثارة عطفه كسيّدٍ على تذلّل خادمه بين يديه، وهنا تبدع عدسة النابغة في تماهيه وخفض جناحه أمام النعمان لإشباع ذاته، وإرضاء غروره، والحصول على صكّ الغفران الثمين الذي ينتشلُه من لياليه المدلهمة، ويؤنس وحشته، ويهدئ روعه، فكان التوسّل والتسوّل على أعتابه في منزلة شموع ومشاعل، أوقدها في ظلمات خوفه وفي ظلمات الليل من حوله، أو تعويذات وتمائم علّقها في عنقه، فقال:
فإِنكَ كاللّيلِ الّذي هو مُدركي
وإِنْ خلتُ أَن المُنتأَى عنكَ واسعُ
لا تكاد تخرج صورة الليل من قلبه، ولعلّه من شدة ما عاناه، رأى أن يشبّه به النعمان الذي لا مفرَّ منه، ولا منجى من سوط عذابه، فقد استيأس الشاعر من الفرار الذي لن يُخرجه من حوزة الملك، فجعل الملك كنواميس الطبيعة التي ينفعل الإنسان لها ولا تنفعل له، مهما رحبت الأرض واتّسع الفضاء، وفُتحت أمامه المسالك، وطُويت له المسافات، فلن يبتعد عن متناول يد الليل، ليس الليل فحسب، فللنابغة رأيٌ آخر في النعمان:
فإِنكَ شمسٌ والملوكُ كواكبٌ
إِذا طلعتْ لم يبدُ منهنّ كوكبُ
فلا تتركنّي بالوعيدِ كأَنني
إِلى الناسِ مطليٌّ به القارُ أَجربُ
ما لبث الشاعر أن استعان بالشمس في مديح النعمان، واستعان بالأجرب المنبوذ في تقذيع نفسه، وقد أحسن اختيار الأمثال وآلية المقارنة بين النعمان ونظرائه، إذ جعل للنعمان الفضل عليهم بآية النهار المبصرة التي استفرد بشمسها، وتركهم يتقاسمون المناصب الدونية في آية الليل الممحوة، هذا عن حصص الملوك، أما الحصة التي أعطاها لنفسه، فهي الجرب والقير ونفور العشير.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

عدسة امرئ القيس

19 يناير 2020

الشعراء والدهر

05 يناير 2020

ليلةُ الحمّى

29 ديسمبر 2019

الشاعرُ الأَسيرُ

22 ديسمبر 2019

عَسَسُ الشعراء

08 ديسمبر 2019