الخميس 27 جمادى الأولى / 23 يناير 2020
09:12 م بتوقيت الدوحة

عَسَسُ الشعراء

عَسَسُ الشعراء
عَسَسُ الشعراء
يختلف المقصد بين عسس الخلفاء وعسس الشعراء، فالأول يريد به الراعي استطلاع أحوال الرعية، والتقاط الثغرات، واستلام الشكاوى بعين رأسه لا بأعين جنده وبطانته. فكان الفاروق -رضي الله عنه- ينفخ النار، ويحمل الدقيق، ويسمع شجون المغيّبات.
أما عسس الشعراء، فكلٌّ معلّق بهواه، ورهين بمقاصده، «قدْ علِمَ كلُّ أُناسٍ مشربَهُم»، وقد شهدنا مشرب عمر بن أبي ربيعة، وخبرنا عسسه وتجواله خلف أطناب البيوت وأخبية الحسان، إلا أننا اليوم مع ليلة الشاعر مرة بن محكان التميمي، وما صوّرته عدسته في تلك الليلة القارسة برداً، الحالكة ظلاماً، وما ساقه من القرائن على القرّ، ومن القرائن على الظلام، فقال:
في ليلةٍ من جمادى ذاتِ أَنديةٍ
لا يُبصرُ الكلبُ من ظلمائِها الطّنبا
لا ينبحُ الكلبُ فيها غيرَ واحدةٍ
حتى يلفَّ على خيشومِه الذَّنبَا
لقد استحكمت فحمة الدجى حتى لا يرى الكلب حبال الخباء التي يقبع بجانبها على ما فيه من حدّة بصر، واستحكم الزمهرير حتى قصّر الكلب في وظيفته التي هي نبح الطرّاق، فلا يكاد ينبح واحدة حتى يستعجل بذنبه ليغطي خياشيمه، فما أوضح ما صوّرت عدسة الشاعر الليلية! وما أدقّ ما نقلت! وما أصدق ما حكت وروت! إلا أن التصوير لم يقف عند هذا الموضع، بل تعداه إلى مشهد إكرام الضيوف في هذه الليلة العصيبة التي لبست فيها الأرض ملاءة من الصقيع، بحسب وصف الشاعر، ولم يمنعه من نفخ النار ونحر الجزور وإقراء الضيف وبرّه، ونحن أمام وصف جديد للجزار والجزور، يقول فيه:
زَيافَةٍ بِنتِ زَيّافٍ مُذَكَّرَةٍ
لَمّا نَعَوها لِراعي سَرحنا انتَحَبا
يُنَشنِشُ اللَحمَ عنها وَهيَ بارِكَةٌ
كَما تُنَشنِشُ كَفّا قاتِلٍ سَلَبا
لقد أنفق الشاعر مما يحب، ولم يتيمم الخبيث منه، وقرينة ذلك أن راعي الإبل بكى الجزور التي نُحرت وهي ليست ملكه، وأن الجزار تسلق سنامها فاستعصى عليه بلوغ الذروة، فراح يقتطع اللحم منه كما يفتش الفارس سلبه ونهبه ليحصّل منه الأنفال، فيا طيب ما فعل مرة بن محكان! ويا طيب ما قال!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

عدسة امرئ القيس

19 يناير 2020

الشعراء والدهر

05 يناير 2020

ليلةُ الحمّى

29 ديسمبر 2019

الشاعرُ الأَسيرُ

22 ديسمبر 2019

النعمان.. وصكّ الغفران

15 ديسمبر 2019