الأحد 23 جمادى الأولى / 19 يناير 2020
03:29 م بتوقيت الدوحة

ضرورة التمييز بين التوعية والتحريض

ضرورة التمييز بين
التوعية والتحريض
ضرورة التمييز بين التوعية والتحريض
هما وسيلتان في العمل السياسي.. التوعية والتحريض، الأولى أسلوب يلزمه عمل دؤوب ومثابرة وصبر، يتصف بالهدوء وبلا حاجة للهتاف، وقد لا تظهر ثماره سريعاً؛ لكن عندما تنبت بذرة التوعية فسرعان ما تصبح شجرة ذات جذور راسخة يصعب اقتلاعها.
الوسيلة الثانية هي التحريض، الذي وجد موقعاً في ساحة العمل العام عندما تسلّل إلى ساحة السياسة مهرّجون لا يجدون في أنفسهم مواصفات تؤهلهم لتوعية الجماهير، فلجؤوا إلى تهييج المشاعر، حشدوا جماهير غاضبة تهتف وتحطم وتحرق، معبّرة عن حقد راكمه أصحاب هذا المذهب الضارّ.. من هنا ظهرت الحركات المسلحة.
يمكن تقديم مثال لشرح الفكرة، جماعة يسكنون في مساكن عشوائية بسيطة على مقربة من المدينة بما يمكنهم من العمل في مصنع، ثم العودة راجلين إلى قريتهم العشوائية.. لهؤلاء الجماعة الحق في سكن أفضل، ويمكن نقل هذه المعلومة لهم عبر وسيلتين: الأولى هي التحريض بحيث ينحصر الخطاب الموجّه إليهم في الادعاء بأن وضعهم ناتج عن تحقير لهم نسبة لانتمائهم لقبيلة معينة أو إثنية محددة، وعليهم أن يقابلوا هذه الحقارة بما يناسبها من غضب عارم يقتلعون به حقوقهم اقتلاعاً. وقد تجد هذه الدعوة استجابة، فيعمد بعض السكان إلى أعمال عنف يكون ردّ السلطات عليها عنفاً مماثلاً، فتفقد القرية العشوائية استقرارها ويحنّ أهلها إلى حياتهم البسيطة التي كان يعتبرها المحرّضون دليل تحقير وازدراء. في المقابل، يمكن أن ينقل بأسلوب توعوي متقدّم أن من حقهم التقديم عند أول خطة إسكانية لنيل قطع سكنية، أو المطالبة بتخطيط قريتهم بما يجعلها مهيأة لخدمات ضرورية؛ لكن ما يجب التنبيه إليه لإكمال فكرة التوعية هو أن التوعية -بوصفها عملية صبورة تتطلب المثابرة- تستصحب تغييراً ثقافياً؛ لأن ما يعتبره البعض ظلماً قد لا يعتبره المستهدفون بالتوعية ظلماً، فقد يكون السكن في «قطية» بالقرب من ترعة يشرب منها ساكن «القطية» أريح من شقة في عمارة عالية يحسّ الذي اعتاد على سكنى الأرياف بالضيق وهو لا يرى الفضاء الفسيح.. قصدت بهذا المثال ضرورة تقارب رؤى أصحاب حملات التوعية مع حاجات المعنيين بالحملة ومطالبهم.
الأمثلة التي تؤكد ضرورة التغيير الثقافي باعتباره أحد أذرع التوعية كثيرة، منها المقاومة التي كانت تجدها حملات محاربة عادة الخفاض الفرعوني، وبالتوعية والتثقيف أمكن للحملة أن تحقق الكثير من أهدافها. وبالعمل السياسي المباشر يمكن تحقيق مطالب كثير من المناطق المسماة «مهمشة» من دون التورط في التحريض الذي أضرّ كثيراً بالمحرّضين. في فترة الثورات، تجد دعوات التحريض أرضية خصبة بدعوى تحقيق آمال المظلومين بأسرع وسيلة، خاصة بعد صبرهم الذي طال في عهد الظلم الذي أزاحته الثورة. وقد يكون ذلك مدخلاً لتصفية حسابات شخصية، مثل إطلاق اتهامات باطلة بانتماء البعض لأجهزة النظام البائد الأمنية، أو بإلغاء قرارات (إدارية) صحيحة من منطلقات (فكرية)، مثل إلغاء تبعية مستشفى الخرطوم للولاية وعودته إلى مظلة الوزارة الاتحادية، هذا قرار إداري لا علاقة له بفكر «الإخوان المسلمين»؛ لكن لوحظ أن الأطباء المعارضين لقرار الوزير السابق انطلقوا في دعوتهم إلى إعادة المستشفى للوزارة الاتحادية من منطلق تحريضي، ولما استجاب وزير الثورة لمطلبهم خرجوا في هتافات سياسية وكأن وزير الصحة قد ألغى قانون النظام العام!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.