الخميس 27 جمادى الأولى / 23 يناير 2020
07:16 م بتوقيت الدوحة

روعة التصوير في الشعر

روعة التصوير في الشعر
روعة التصوير في الشعر
من الجميل أن ننقل ما برع به الشعراء في قديم عهد الشعر والأدب، إلى عصرنا الحالي؛ للإفادة منه وتوظيفه فيما جدَّ من وقائع ومفردات عصرية، ففي ذلك بثُّ روح جديدة في أدبنا عموماً وشعرنا خصوصاً. ومما أعجبني في أسلوب شعراء العربية الأوائل روعة التصوير.
فهذا عنترة بن شداد يعوّض سواد جلده ببياض صنيعه، فيكون الصريخ عند النوائب، ويُبيد الكتائب تلو الكتائب، ويشهد الزحوف تلو الزحوف، فتتقن عدسة شعره صليل السيوف، وصهيل الخيول، ودورة الرحى وساحة الوغى؛ لكن لا شيء من هذه المشاهد لتخبرنا عنه عدسة عُمر بن أبي ربيعة، الذي قضى حياته يترقّب المليحات ليدخلن خِدرهن، وينتظر أعيُن الرقباء أن تنام، وكلاب القوم أن تخمد، ثم يتسلّل إلى حيث نزواته وشهواته، حتى استحكمت عدسته بهذه المشاهد وصوّرتها بكل بهاء وجلاء. ونحن، في هذا السياق، أمام تصوير متحرّك له، يتسلّل إلى خباء معشوقته وذويها؛ لوداعها، وقد تأهّبوا للرحيل، فيقول:
حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى الفَتَاةِ وَإِنَّها
لَتَغُطُّ نَوْماً مِثْلَ نَوْمِ المُبْهِجِ
وإِذا أَبوها نائمٌ، وَعَبِيدُهُ
مِن حَوْلِها مِثْلُ الجِمَالِ الهُرَّجِ
لم تبرحها رقّتها حتى في نومها، ولم يشفع للعبيد نومهم بشيء من البراءة، بل التقط لهم مشهداً يجسّد الضعة والدونية فيهم؛ فهم كالجمال المطلية بالقار. ولا تمنع عنصرية الوصف من اعترافنا بتوفُّق الشاعر به؛ فشتان بين كرام الإبل وبين الجربى منها والمطلية بالقار، ثم يتابع الشاعر وصفه السردي الرائع، حين تستفيق محبوبته، فتتحسّس بيديها رأسه في الظلام؛ لتعلم من يكون:
فَتَناوَلَتْ رَأْسِي، لِتَعْلَمَ مَسَّهُ
بِمُخَضَّبِ الأَطْرَافِ غَيْرِ مُشَنَّجِ
لقد بلغ الشاعر غاية الرشاقة في اختصاصه الغزلي المتراوح بين العذري والفاحش، حتى نقل إلينا هذه التفاصيل بمرونة تصويرية لا تشويش فيها ولا تكدير ولا تكسير.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

عدسة امرئ القيس

19 يناير 2020

الشعراء والدهر

05 يناير 2020

ليلةُ الحمّى

29 ديسمبر 2019

الشاعرُ الأَسيرُ

22 ديسمبر 2019

النعمان.. وصكّ الغفران

15 ديسمبر 2019