الخميس 27 جمادى الأولى / 23 يناير 2020
08:00 م بتوقيت الدوحة

ساحة الوصفِ في الشعر

ساحة الوصفِ في الشعر
ساحة الوصفِ في الشعر
لولا روعة الموصوف وجماله، وميزات الجذب فيه، وما يحويه من ميزات ومناقب تميزه من غيره، وتجعله عَلمًا ضمن محيطه، لما وُجد هناك غرض الوصف الذي أبدع في ساحته الشعراء وجادوا خلاله بكل جميل.
تنطلقُ وظيفة الوصفِ في الشّعرِ من موضوعٍ واحدٍ هو الموصوفُ، ثمَّ تَخلقُ له موضوعًا آخرَ هو الموصوفُ به، فيكونُ في منزلة شاشة إِسقاطٍ يُعرضُ عليها الموصوف، أو خلفية يُرسمُ عليها، أو سجادة ينسجُها، أو صخرة يُنقشُ فيها. وساحة الوصفِ رحبة لم تَضقْ بشاعرٍ، ومساحتُها تشملُ كلَّ ما خلقَ اللهُ من أممٍ، وما ذرأَ من نَسمٍ وما برأَ. ومصداقُ ذلكَ قولُه جلَّ وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأَنعام: 38]
وكم وصفَ الشعراءُ أُممًا بأُممٍ أُخرى من خلقِ الله، توحّدَت في طبعٍ أَو اجتمعَتْ في طابعٍ أو اشتركَتْ في قاسمٍ مشتركٍ أو اتفقتْ في سمةٍ، وهذا عنترةُ، بعدستِه الحربية التي أَلِفتْ مخاضة الحروبِ، وحفظَت حركة الجيوشِ، يستعينُ بأُمة الطيرِ ليصفَ سرايا الجيشِ، فيقول:
كأَنَّ السرايا بينَ قَوٍّ وقارةٍعصائبُ طيرٍ ينتحينَ لمشربِ
في تكرارِ رؤية الشاعرِ لحركة السرايا وتعاقُبِها، استفاقَ في ذاكرتِه البصرية صورة مطابقة لأَسرابِ الطيرِ المتتابعة التي تهبطُ لوردِ الماءِ. لقد تطابقَ المشهدانِ حتى لا يكد يتمايزُ أي منهما إِلا موردُ كلٍّ منهما، فالأَسرابُ ترِدُ الماءَ والسرايا تردُ حياضَ الموتِ الحمراءِ، ثمَّ يتبِعُهُ بوصفٍ آخرَ، فيقول:
كتائبُ تزجى فوقَ كلِّ كتيبةٍلواءٌ كظلِّ الطائرِ المتقلبِ
مجددًا، استعانَ بأُمة الطيرِ، إِلا أَنه وصفَ فردًا بفردٍ، فاللواءُ الذي ترفعُه الكتيبة بخفقانِهِ وركودهِ ورفيفهِ وانسدالهِ وعدمِ اتزانِ حركتِه، يشبهُ ظلَّ الطائرِ على الأَرضِ، والذي لا ينتظمُ قوامًا، ولا يركنُ على هيئة، ما دامَ الطائرُ يقبضُ ويبسطُ في الأَجواء. فما أجمل أن نجد في أيامنا هذه من يبهرنا بجميل وصفه، وروعة أسلوبه في ذلك، وحري بزمننا وما فيه من تجليات الإبداع أن يستقبل في ساحة وصفًا يليق به، ويعطيه حقه، ويقدر قيمته.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

عدسة امرئ القيس

19 يناير 2020

الشعراء والدهر

05 يناير 2020

ليلةُ الحمّى

29 ديسمبر 2019

الشاعرُ الأَسيرُ

22 ديسمبر 2019

النعمان.. وصكّ الغفران

15 ديسمبر 2019