السبت 29 جمادى الأولى / 25 يناير 2020
05:24 م بتوقيت الدوحة

لا حساسية في التاريخ

لا حساسية في التاريخ
لا حساسية في التاريخ
سُئل الباحث الكبير الطيب محمد الطيب عن سبب تأخره في نشر مخطوطته عن اليهود في السودان، أو للدقة عن السودانيين ذوي الأصول اليهودية، فحكى قصة فحواها أن أحد المعنيين بالبحث قد دعاه لمنزل الأسرة ذات الأصول اليهودية ليقدّم له معلومات عن تاريخ الأسرة.. أبقى الرجل ضيفه الطيب في صالون المنزل، ودلف إلى الداخل ليخبر أخته بوجود الضيف والغرض من الزيارة.. فعلا صوت الأخت حتى سمعه الباحث، ووبّخت أخاها على «نبشه» هذا التاريخ الذي لا يعرفه أحد.. وقرر الباحث الطيب محمد الطيب حينها عدم نشر الكتاب لما في الموضوع من «حساسية».
كتب ذات مرة الصحافي السوداني المعروف مصطفى أبوالعزائم عموداً استثنائياً تحت عنوان «لا تنشر.. فالقضية حساسة»، تناول فيه موضوعاً مثيراً للجدل حين أعلن عن توجّه الجريدة التي يرأس تحريرها لنشر مذكرات الأستاذ علي حامد التي تحوي معلومات رأى البعض أنها تتطرق إلى موضوعات حساسة. لذا تقدّموا برجائهم أن تصرف الجريدة النظر عن نشر المذكرات ما دامت تثير «حساسيات»، فما معايير الحساسية؟ وأين يكون الحد الفاصل بين ما يجوز نشره وما لا يجوز؟
نلاحظ في قصة الأسرة ذات الأصول اليهودية أن ابن الأسرة أقدم على تقديم المعلومات بلا حساسية ولم ينظر للموضوع أكثر من كونه بحثاً أكاديمياً لا تعيب حقائقه الأسرة في شيء؛ لكن نظرة أخته انطلقت من مخاوف مرتبطة برأي العوام في اليهود.
التاريخ ليس فيه حساسية، خاصة وأن لكتابة التاريخ مناهج علمية تضبط كتابته فلا يصبح نهباً لأهواء الناس ولا يصبح مدخلاً للإساءة والتجريح.. وعليه، فسوف تكون مذكرات الأستاذ علي حامد موضع التقييم والتشريح، يأخذ منها القراء الجديد الموثّق ويُبعدون أي معلومات تدخل في نطاق الرأي الذي يحتمل الأخذ والرد.. على سبيل المثال، فإن الفكرة الاستقلالية التي تعرّض لها الأستاذ مصطفى في عموده أمس ليست فكرة مسيئة لأصحابها؛ بل موضع فخرهم.. أما القول بأن الاستقلاليين عملاء للمستعمر، فهذا اتهام يتجاهل نقاش جوهر الفكرة؛ أي ملاءمة الفكرة الاستقلالية مع الواقع وحمايتها للسيادة السودانية من دخن أجنبي.. وقد يرى فيها آخرون أنها قد أضاعت على السودان فرصة تكامل إقليمي كان سيؤهله لوضع أفضل.. وفي الحالين يمكن عرض الرأيين بلا اتهامات، خاصة أن العمالة اتهام لا يمكن إثباته وهو من مضيعات الزمن ومصرفات الشعوب إلى السفاسف.
لكل أمة رموز وطنية، لم تنل درجة الرمزية بصدفة عابرة. هؤلاء يلهمون الأمة ويصبحون محاور التقاء. لذا تحرص الأمم على تمجيد رموزها، رغم أنهم بشر لا تخلو سيرتهم من أخطاء.. سعد زغلول وتشرشل وديجول وعبدالناصر والقائمة تطول.. لكل منهم خطأ أو سوء تقدير؛ لكن كل الرموز بلا خطايا.. وقد أبعد الفرنسيون ديجول عن الرئاسة لاختلافهم معه حول التعديلات الدستورية؛ لكنهم أطلقوا اسمه على مطار العاصمة باريس. بهذا الفهم لن يمس رأى هنا وهناك قامة السيد عبدالرحمن الفارعة، فلنكتب التاريخ بلا خوف، ما دامت للتاريخ مناهجه وما دام للرموز رصيد لا يهتز.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.