الجمعة 15 ربيع الثاني / 13 ديسمبر 2019
04:00 ص بتوقيت الدوحة

أيام عشتها في إدلب (1-2)

أيام عشتها في إدلب     (1-2)
أيام عشتها في إدلب (1-2)
بينما يتابع العالم كله ما يجري في الشمال المحرر وعاصمته إدلب، كنت أقضي أياماً فيها أتعرف على ما يجري هناك بعيداً عن النمطية التي أرادها البعض لهذه المنطقة، فما أن تدلف إلى الشمال المحرر من معبر باب الهوى على الحدود التركية، حتى تجد الحركة الدؤوب لأناس غادين ورائحين، يعلو الجميع وهو يعبر البوابة علم الثورة الذي احتضن مئات الآلاف من الشهداء، وقاتل تحت رايته نفس العدد ربما ولا يزالون.
تسأل عن الوضع الميداني فيرد عليك البعض بأن تنسيقاً عسكرياً بين الجميع هو السائد، ففي ظل تمكن الفصائل الثورية الحاكمة في المنطقة وعلى رأسها هيئة تحرير الشام التي فكّت ارتباطها مع تنظيم القاعدة، ونالها ما نالها من هجوم زعيم التنظيم أيمن الظواهري، فكان نتيجة الأمر أن انشق بعض عناصرها عنها فبايعوا الظواهري تحت اسم « حراس الدين»، لكن استمرت هيئة تحرير الشام تشكل تحالفاً مع فصائل الثورة بعد أن دخلت في حروب عبثية مع بعضها، مثل حركة الزنكي وأحرار الشام، لتتفق مع من تبقى من فصائل الثورة لاحقاً، وتحديداً أحرار الشام وصقور الشام وفيلق الشام وجيش الأحرار على تشكيل غرفة عمليات واحدة، لصدّ هجمات المحتل الروسي والإيراني والعصابة الحاكمة.
استطاع الشمال المحرر بإمكانيات محدودة كسر ظهر تنظيم الدولة الإسلامية، بحيث وصل عدد المعتقلين من أتباعه الذين سعوا إلى نشر الفوضى والعنف في الشمال المحرر إلى أكثر من 500 شخص بينهم قيادات داعشية، فضلاً عن قتل كثير منهم، وبالتالي استطاعت السلطة الحاكمة في الشمال المحرر فرض الأمن والاستقرار بحيث أمّنت حدود الناتو الممثلة بالأراضي التركية، وجنّبت العالم هجرة ملايين المقيمين في الشمال المحرر، ولعل هذا ما يفسر توقف الغرب بشكل عام والأميركيين بشكل خاص عن التذكير بوصف هيئة تحرير الشام بالإرهابية، وربما يشكل مقتل البغدادي في إدلب أخيراً نهاية للقصف الأميركي على المنطقة.
الواقع الأمني فرض نفسه، فطوال الأيام التي عشتها في إدلب والتي امتدت لثلاثة أسابيع تقريباً، لا تسمع أو ترى انفجاراً واحداً عليه بصمة النظام أو داعش، وهو ما يعكس نجاحاً أمنياً لافتاً في ضبط عدوين لدودين للشمال المحرر، يلخصها أحد المسؤولين، لقد تم ضمان جزء من عملية الحياة هنا تقريباً، وهي «فأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف»، فالخوف من الفلتان الأمني انتهى، يبقى الواقع المعيشي وهو تحدٍّ كبير أمام دول، فضلاً عن كونه أمام كيان محارب من قوى كبرى وإقليمية ومحلية.
ثمة أربعة ملايين يعيشون في الشمال المحرر يشكلون قنبلة موقوتة بوجه المنطقة والعالم كله، وفي هذا العصر عصر السرعة والانتقال بالطائرات والهجرات، لا يمكن النأي عن مشاكل الآخر وتحديداً الجوار، فمقولة الأجداد: «إن كان جارك بخير فأنت بخير»، تنعكس أكثر ما تنعكس اليوم على الدول، فالدولة المجاورة المصابة بداء التطرف أو داء المرض أو غيره، سيكون ضررها أول ما يكون عليك كجارٍ لها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.