السبت 05 رجب / 29 فبراير 2020
03:50 م بتوقيت الدوحة

جدلية الموت في الشعر

جدلية الموت في الشعر
جدلية الموت في الشعر
قال الشعراء كثيراً في جدلية الموت، فالموت حقيقة صارخة لا يخالطها ريب، ولا يجحد بها جاحد، ولا يكفر بها كافر، ولا يشك في حتميتها مؤمن ولا ملحد ولا موحّد ولا معدّد، فماذا يجد الشعراء من جديد ليقولوه فيها بعد كل ما قيل؟ وأي زاوية في هذا الناموس العظيم لم تسطع عليها أقوال الحكماء وأبيات الشعراء؟
لا جديد في هذه الحقيقة، ولا إضافة عليها، وهي نهاية النهايات، وغاية الغايات، غير أن الجديد كامن في لمسات الشعراء، وما تركته من بصمات في وصفها، وفي عدساتهم، وما تركته من صور مختلفة الهيكل، موحّدة البنية، تأخذنا من طرق شتّى إلى مقصد واحد، وترينا مجسّم الموت ذاته مختلفاً ألوانه، فالموت في عدسة لبيد بن ربيعة العامري هو سهم خارق من رامٍ حاذق، يصيب كبد مطلوبه، ولا يفلت فريسته، وهو واقع لا محالة، وليس محض احتمال، وفيه يقول:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيّتِـي
إِنَّ الْمَنَايَا لَا تَطِيشُ سِهَامُهَا
هذه صورة محكمة للموت، إلا أنها من الزاوية المعاكسة للزاوية التي التقط منها زهير بن أبي سلمى صورة الموت، حينما قال:
رَأَيْتُ الْمَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ
تُمِـتْهُ وَمَنْ تُخْطِئْ يُعَمَّـرْ فَيَهْـرَمِ
إذاً، فالمنايا كالغول الذي يتخبّط في جموع الناس، ويضرب يمنة ويسرة بأيدٍ عمياء عشواء، فمن أصابته طوت صفحته وانتزعت مهجته، ومن أفلت منها عُمّر ونُكّس في الخلق، وآلَ من بعد قوة إلى ضعف وشيبة، فلو نظرنا إلى الصورتين، كل بمفردها، لاتفقنا مع كليهما، ولو جمعناهما فهل تجتمع صفة عشوائية المنيّة مع المنيّة التي لا تطيش؟ وهل تجتمع المتناقضات؟ نعم، تجتمع هذه الخصال جميعاً في المنيّة، وقد جمعها الشعراء بتعدد أذواقهم، وشتّى أساليبهم، وتفاوت دقة عدساتهم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

بصيرة بشّار

23 فبراير 2020

الشنفرى

16 فبراير 2020

البحتري وبركة المتوكل

09 فبراير 2020

الشاعر الوصّاف

02 فبراير 2020

عدسةُ عنترة

26 يناير 2020

عدسة امرئ القيس

19 يناير 2020