السبت 16 ربيع الثاني / 14 ديسمبر 2019
02:04 ص بتوقيت الدوحة

أمران فيهما نظر: محاكمة الانقلابيين وحلّ «المؤتمر»

أمران فيهما نظر: محاكمة الانقلابيين وحلّ «المؤتمر»
أمران فيهما نظر: محاكمة الانقلابيين وحلّ «المؤتمر»
عندما يطول أمد الانقلاب يحدث واقع سياسي جديد، فيتراجع حدث الانقلاب حتى يكاد يتلاشى، لتبرز مشاهد جديدة وتفرض نفسها، ويصبح الحديث عن شرعية آخر برلمان منتخب ضرباً من العبث السياسي، خاصة بعد أن يتجاوز الانقلابيون أنفسهم مرحلة ما أسموها الشرعية الثورية، وينتقلوا إلى شرعية دستورية يحتكم إليها أحياناً حتى المعارضين كأبلغ دليل على نسيانهم جريرة الانقلاب وتعاملهم مع الواقع الجديد، كما حدث حين أفتى معارضون بعدم جواز ترشح «الرئيس» البشير لدورة جديدة بحكم «الدستور».
مرّت سنوات على نظام الإنقاذ، تغير خلالها المشهد كثيراً، حتى رأينا في أحد احتفالات الاستقلال السيدين أحمد الميرغني والصادق المهدي في الصف الأمامي للاحتفال، بينما تلاحق أجهزة النظام حسن الترابي المدبّر الأول للانقلاب، ووقّع نظام الإنقاذ اتفاقية السلام الشامل مع الحركة الشعبية، فكان من ضمن نتائج هذا التحول برلمان ضمّ المعارضين الكبار سليمان حامد وعلي السيد وفاطمة أحمد إبراهيم وياسر عرمان وفاروق أبوعيسى وعلي محمود حسنين، الذين لم يرفضوا المشاركة في ذلك البرلمان بدعوى رفضهم لأية اتفاقية يبرمها النظام غير الشرعي، ولن يشاركوا في أيٍّ من مؤسساته، أي أن الواقعية فرضت عليهم تجاوز حالة الانقلاب بعد أن عمّر ست عشرة سنة، لكن الأستاذ علي محمود حسنين نكص عن هذه الواقعية، ففتح ضد الانقلابيين بلاغاً بعد أن بلغ الانقلاب الثلاثين، وهي دعوى لم تمُت برحيل الأستاذ حسنين.
إن محاكمة أركان النظام السابق بتهمة تدبير انقلاب يونيو لم تعُد واقعية، ويمكن أن نعدّد -غير برلمان 2005- وقائع كثيرة تعامل فيها المعارضون مع النظام كأمر واقع لا يمكن تجاهله والتغاضي عنه، فقد وقّع النظام اتفاقات مع معارضين في جيبوتي وجنيف والقاهرة ومشاكوس ونيفاشا والدوحة، وفاوض المعارضين وفاوضوه، وانقسم النظام نفسه لتنشأ إثر ذلك تحالفات بين معارضين وإنقاذيين سابقين وبين إنقاذيين ومعارضين سابقين، لذا يجب أن تتجاوز المحاكمة الانقلاب لتركّز على تجاوزات خلال حكم الإنقاذ، وبالأخصّ قضايا الفساد الذي أهدر أموالاً طائلة، ولن تكون هذه القضايا موضع خلاف أو جدال، خاصة وأن نظام الإنقاذ نفسه قد لاحق في أخريات أيامه فاسدين منتمين له. ويحق لمحاكم الثورة إعادة النظر في تسويات تمّت وحامت حولها شبهات، هذا يعني الفصل بين المحاكمة السياسية غير الجائزة، والمحاكمة القانونية التي تميّز بين المذنب والبريء في قضايا غير سياسية، فيسقط بذلك أي احتمال لمحاكمة سياسية على انقلاب مضت عليه ثلاثة عقود، ولا تسقط تهم عن فاسدين اعتدوا على المال العام، فهذه ليست اتهامات سياسية، ولا تطال كل رموز الإنقاذ لمجرد انتمائهم السياسي للنظام السابق.
تقودنا التهمة السياسية إلى الحديث عن المناداة بحلّ حزب المؤتمر الوطني، هذه دعوة لمحاكمة سياسية، تتعارض مع مبدأ الحرية الذي يأتي على رأس شعارات الثورة، لأن الوجه السياسي لفكرة الحرية هو الديمقراطية التي تتيح حق التنظيم في نظام تعددي، لكن يبدو أن المنادين بحلّ المؤتمر الوطني لا يرون انطباق هذا المبدأ عليه، بدعوى إساءته توظيف السلطة عندما كان حاكماً، لكن هذا المنطق يجرّ الثوار إلى مخالفة خطيرة حين يفرضون أنفسهم أوصياء على الشعب، فقد يرى الشعب من خلال صناديق الاقتراع منح المؤتمر الوطني دائرة جغرافية واحدة فقط في السودان كله، هي حقه بالمعيار الديمقراطي الدقيق وفق الإرادة الشعبية، فلماذا الوصاية على الشعب؟ ولماذا الخوف من احتمالات فوز المؤتمر الوطني ببعض الدوائر؟ إذا كان هذا هو قرار الناخب الحر.
عندما كانت الثورة في رحم الغيب، كانت بعض أحزاب الثورة قد قررت منازلة المؤتمر الوطني في انتخابات 2020، عندما كان الحزب يستقوي بالسلطة، مما يعني أن هذه الأحزاب في وضع تنافسي أفضل، وقد جُرّد المؤتمر الوطني من السلطة ومن أدواته وإمكاناته في تزوير السجل الانتخابي وتزوير فرز الأصوات، لكن بعض القوى الثورية تهمس بأن المؤتمر الوطني أكثر الأحزاب جاهزية وقد يفوز بالانتخابات، وبما أن الجاهزية المقصودة هي الإمكانات المادية، فإن هذا الادعاء عار على صاحبه، لأنه يشكّك في حقيقة الثورة.
نازلوه وهو مجرد من إمكانات السلطة، فهو مهزوم لا محالة، بدلاً من منحه فرصة الادعاء بأنه خيار الشعب، لولا أن الثوار حالوا بينه وبين صناديق الاقتراع.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.