الأحد 10 ربيع الثاني / 08 ديسمبر 2019
07:21 م بتوقيت الدوحة

رسائل تونس.. الشعب السيد!! (1-2)

أسامة عجاج

الخميس، 14 نوفمبر 2019
رسائل تونس.. الشعب السيد!!      (1-2)
رسائل تونس.. الشعب السيد!! (1-2)
‏‫شعوري بالإعجاب والسعادة من خلال متابعتي للجدل السياسي الدائر في تونس حول تشكيل الحكومة المقبلة، يبدو نوعاً من «الرومانسية السياسية»، ولا أدري حقيقة إذا كان مسموحاً للمراقب أن يتملكه مثل هذا الشعور، خاصة وأن المشهد السياسي هناك يشهد نوعاً من التأزيم والمماحكات والضغوط والمناورات بين أطياف الطبقة السياسية في تونس، بعد ماراثون انتخابي خلال فترة بسيطة، مثلت نتائجه «زلزالاً حقيقياً» ورسائل من «الشعب التونسي السيد»، صاحب القرار الأول، ومانح الشرعية الوحيد، سواء في الانتخابات الرئاسية، التي جاءت بالرئيس قيس سعيد من خارج الطبقة السياسية المتعارف عليها، فقط لأنه التصق بالشعب وجاء منه، لدرجة أن مقر إقامته في مسكنه القديم في أحد أحياء تونس الشعبية، بعد رفض الإقامة في قصر الحكم قصر قرطاج، مسألة قد تبدو شكلية ولكن مغزاها كبير، ودليل إضافي على أننا أمام نوعية مختلفة من الحكام العرب، المنحازين إلى الطبقات الفقيرة والمهمّشة، كما جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت بعد فترة قصيرة من الرئاسية، لتنقل رسالة مهمة من «الشعب التونسي السيد» إلى مكوناته السياسية، بأن تونس تحتاج إلى مزيد من التوافق والحوارات بين المكونات السياسية كافة، من أجل انتشال تونس من أزماته الاقتصادية والاجتماعية، دون تفرد حزب أو مكون واحد، حيث أظهرت النتائج النهائية حصول قائمة حركة النهضة على 52 مقعداً، وقائمة قلب تونس على 38 مقعداً، ثم التيار الديمقراطي بـ 22 مقعداً، وائتلاف الكرامة بـ 21 مقعداً، تليها قائمة الحزب الدستوري الحر بـ 17 مقعداً، ثم قائمة حركة الشعب بـ 16 مقعداً، فحركة تحيا تونس بـ 14 مقعداً، وحركة مشروع تونس بـ 14 مقعداً، وقوائم أخرى بـ 33 مقعداً، وخلقت تلك التركيبة أزمة أمام كل المكونات، بما فيهم صاحب الأكثرية حركة النهضة، وفرضت على الجميع الدخول في مفاوضات للتوصل إلى تسمية رئيس الحكومة، مع إصرار حزب النهضة على أن يكون من اختيارها، أو من بين أعضائها، وكذلك على التشكيلة الحكومية التي تستطيع أن تحظى بثقة 109 أصوات من أعضاء البرلمان، والأمر من خلال ما جرى في الفترة القليلة الماضية لا يبدو سهلاً أو بسيطاً، والطريق أمام الحكومة رئيساً وأعضاء ليس سالكاً على الأقل حتى الآن.
كل ما سبق يبدو صحيحاً وحقيقياً، ولكن تونس تثبت من جديد، أنها تحلق في سماوات أخرى، بعيداً عن المشهد العربي برمته، ليس الآن فقط، ولكن منذ أن قادت ثورات الربيع العربي، فهي التجربة الناجحة التي عبرت أزمات، وأزالت من طريقها ألغاماً، وواجهت مؤامرات إقليمية تجاوزتها جميعاً، لدرجة أننا خلال السنوات الثماني الماضية، تعاقب على الحكم رئيسان منتخبان، أحدهما ما زال يمارس العمل السياسي، والثاني تُوفي وحظي بتكريم واحترام من الجميع، وهي تبدأ مع قيس سعيد مرحلة جديدة، كما أننا شهدنا كيف فرضت تونس لغة الحوار والتوافق، بين أكثرية نيابية من النهضة، ورئيس من نداء تونس، ورئيس وزراء انشق عن الحزب الذي رشحه لتولي رئاسة الوزارة، وراح يشكل حزباً آخر، ومرّت البلاد خلال سنوات السبسي، بسلام مع ضبط الإيقاع، وعدم سماح الجميع بأن تصل الأمور إلى طريق مسدود، شهدنا «بأم أعيننا» كيف جرت انتخابات رئاسية، سقط فيها من الجولة الأولى رئيس الحكومة وهو ما زال في منصبه، ووزير دفاعه، ورئيس البرلمان وهو أحد قيادات النهضة.
تونس تعطي العالم العربي درساً جديداً في الديمقراطية، وتبعث برسالة إلى الكل، بأن الأزمة ليست في الشعوب، التي تتوق بالفعل إلى تداول حقيقي للسلطة، والتزام فعلي بالدستور، والخضوع لحكم الصندوق، تونس هي الاستثناء الوحيد عربياً، حيث استلزم تشكيل الحكومة كل هذا العناء والجهد والمسؤولية من الجميع، دون أن تصل الأمور إلى نتيجة حتى كتابة هذا المقال، بينما جرت العادة في غيرها، على أن يتحول الوزراء إلى سكرتارية «لفخامة الرئيس»، ينفّذون التعليمات، يُعيّنون دون أن يعرف الشعب، ما أسباب تعيينهم؟ وقد يُقالون دون أي مبررات، سوى بسبب غضبة «فخامته»، حكومات دون برنامج، وبدون مراقبة أو محاسبة من ممثلي الشعب.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.