الأحد 17 ربيع الثاني / 15 ديسمبر 2019
02:42 ص بتوقيت الدوحة

الجماهير كظاهرة

الجماهير  كظاهرة
الجماهير كظاهرة
وفقاً للوبون، تُعدّ الجماهير ظاهرة درسها الأوروبيون بعد الثورة الفرنسية خاصة، حيث اعتُبرت مصدر تهديد النظام الاجتماعي للمجتمع الأوروبي؛ لذا عرّفوا هذه الجماهير بأنها تراكم من الأفراد المتجمعين بشكل مؤقت، على هامش المؤسسات القائمة أو ضدها، قد يكونون ناساً مستبعدين أو مهمّشين لأي سبب من الأسباب لا يلقون الاهتمام؛ فهي تصفّق للبطل الذي يعجبها، ويضرب مثلاً بالتصفيق والتشجيع في الملاعب، أو التصفيق والهتافات في الشوارع على جانبي الطريق عند مرور شخصية مشهورة، يمكن أن يُطلق عليها ظاهرة مجنونة. وهو ذاته ما يحدث عندما يتبعون أحداً ويقفون معه حتى الموت، كما حدث مع الرسل في الديانات الثلاث: اليهودية، والمسيحية، والإسلام. هذه الجماهير على الأغلب لا تنظر إلى صفاتها الفردية المختلفة؛ وإنما إلى صفاتها الجماعية، ويمكن أن تعكس التصرفات التي تعيش فيها الجموع جانباً غير جميل، حيث يتصرف الأفراد بطرق غير لائقة. ويظهر ذلك في الملاعب مثلاً، ويمكن أن تشاهدها بشكل كوميدي ليظهر السلوك الجماعي لدى بعض الجماهير، أو مجرمة ففيها كثير من الغاضبين والحاقدين أحياناً، وهو ما قد يسبّب العنف وما يرتبط به من أعمال تخريبية أو قتل أو سرقة. لكن لوبون وضع تعريفاً مختلفاً، حيث لم يعجبه تفسير ظاهرة الجماهير، حيث قال: «الميزة الأساسية للجماهير انصهار أفرادها في روح واحدة وعاطفة مشتركة تقضي على التمايزات الشخصية، وتخفّض مستوى الملكات الفردية». وشبّهها بالمركّب الكيماوي الذي يذوب مع بعضه، فيفقد الخصائص القديمة، ويكتسب خصائص جديدة. رفض لوبون فكرة أن الجماهير مجرمة، واعتبرها حيادية، فيمكن أن تكون مثالية وبطلة تضحّي بدون مصلحة، أو مجرمة؛ فالفكرة أن الجماهير ليست بالضرورة أن تكون مشاغبة، وأن الحالة النفسية الواحدة تصبح خاضعة لقانون الوحدة العقلية للجماهير. في فرنسا حيث الثورة، ظهر التنويم المغناطيسي الذي أصبح علاجاً لما تفرزه الثورات؛ لذا وضع لوبون نظرية حول نفسية الجماهير وحدّد اكتشافاته في ثلاثة أمور، وهي: الجماهير ظاهرة اجتماعية، وعملية التحريض هي التي تسبّب الذوبان فيها، والقائد هو المحرّك الذي يقوم بدور المنوّم المغناطيسي، ومن ثم ترتّب على ذلك ثلاثة مبادئ رئيسية ذكرها لوبون ونقلها الكاتب الأستاذ هاشم صالح إلى العربية، وهي: الجمهور النفسي يمتلك وحدة ذهنية، والوعي فردي تحديداً، أما الجمهور فيتحرك بشكل لا واعٍ، واللاوعي جماعي، والجماهير محافظة بطبيعتها؛ فقد تعيد ما قلبته أو دمّرته؛ لأن الماضي أقوى لديها، والجماهير تحتاج إلى أن تخضع لقيادة قائد محرك بواسطة هيبته الشخصية، والدعاية أساس لا عقلاني، ويتمثل في العقائد الإيمانية الجماعية، ولها أداة للعمل تتمثل في التحريض؛ أي بالعدوى، وكلها بسبب ما نعتقد، ويُعدّ التفكير النقدي وانعدام المشاعر عائقاً في طريق الانخراط والممارسة؛ لذا تستخدم الدعاية من خلال الصور، والرموز، والشعارات البسيطة التي تفرض نفسها بدون نقاش؛ لذا يرى لوبون أن إقناع الجماهير يحتاج إلى أن يكون هناك اقتناع بالفكرة لدرجة الهوس، حتى لا يؤدي إلى إحباط الهمم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.